22
فبراير
2010

من يلقِ بنظرة الآن على العالم الإسلامي يجد أنه منشغل كله الآن بقضية إعادة نشر 
الرسوم، والجميع يتساءل: لماذا تكرَّر الفعل رغم معاناة الدنمارك الشديدة من المقاطعة عند                         نشر الرسوم لأول مرة، وهو بلد اقتصادي في المقام الأول تهمُّها حسابات المال؟                                     ومع كون الرسوم تكررت إلا أن تفاعل المسلمين مع الأحداث أقل بكثير من المرة الأولى.


 


وقد طرحنا استبيانًا حول سبب ضعف التفاعل عند إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول r، وهل
هو ضعف التغطية الإعلامية للحدث، أم اعتياد الأمة الإسلامية على الأذى والهوان، أم هو
خلَلٌ في حبِّ الأمة للرسول r؛ وقد جاءت آراء المشاركين في الاستبيان على النحو التالي:

ضعف الإعلام
19.4%
اعتياد الأذى
46.9%
خلل في حب الرسول
33.7%

لقد ظهر من الاستبيان أن أكثر المشاركين يرون أن الأمة الإسلامية اعتادت الأذى، ونتيجة الاستبيان
أراها طبيعية؛ إذ إننا في المرة الأولى قد صُدِمنا؛ لأن الحدث جديد علينا، ولم نجد في العصر الحاضر
من تجرَّأ على مقام رسول الله r، أما الآن فقد تكرَّر الحدث، وكثيرًا ما يكون ردُّ فعل الإنسان في المرات
الثانية والثالثة لتكرار الحدث أقل من الأولى، وهذا ما أسمِّيه (إِلْف المصيبة)، أو نستطيع أن نقول: إنه
إِلْفُ المهانة، وفيه يصدق قول المتنبي:
من يَهُن يسهلِ الهوان عليه *** ما لجُـرْحٍ بميـت إيـلامُ

حب الرسول صلى الله عليه وسلم









لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرَح هو: لماذا يحدث إلف المهانة؟ وهل هو

شيء طبيعي أم هو مرض يحتاج لعلاج؟

واقع الأمر أن هذا الإلف يحدث لوجود خللٍ في مسألة حب المسلمين للرسول؛ فحب الرسول
ليس أمرًا عاطفيًّا أو قلبيًّا فحسب، بل هو أصل ينبني عليه أمور كثيرة؛ إذ هو أصل
من أصول الإيمان، والأحاديث في ذلك متواترة؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ 
مِمَّا سِوَاهُمَا، وَحَتَّى يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ
بَعْدَ إِذْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَلاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"[1].

وَعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ r: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ".
قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "الآنَ يَا عُمَرُ"[2].

وليس هذا الحب كلمات تُقال فقط، وإنما هو أعمال تُنَفَّذ، ومناهج حياة تُتَّبع. وليس
من المعقول أن أَدَّعي حب إنسان ثم أجده يتعرض للأذى، ولا يتمعَّر وجهي،
ولا تتحرك جوارحي، ولا تهتم نفسي!!

ولتسألْ نفسك: هل لو تعرض ابنك مثلاً للأذى: أتكتفي بأن تحمل الهمَّ، أم تتحرك بكل طاقاتك للدفاع عنه؟

ولو تكرَّر الأذى، هل تكسل عن الدفاع مرة أخرى أم تتحرك ثانية بنفس القوة؛ لأنك تحبه حبًّا حقيقيًّا؟

لذلك لا يُقبَل أن نقول: إننا أَلِفْنا المهانة، ولا تُقبل حالة الفتور والتراخي في التعامل
مع القضية؛ لأننا سمعناها أكثر من مرة خلال الشهور الماضية.

ولهذا فإننا نرى أن نتيجة الاستبيان لا ينبغي أن تكون بهذه الصورة، وإنما
ينبغي أن يسبق اختيار الخلل في حبِّ الرسول كسببٍ لهذا الضعف اختيار
(إِلْفِ الأذى)؛ فالخلل في حب الرسول هو المرض، وإلف المهانة هو العَرَض.

أمّا الاختيار الثالث في الترتيب، وهو أنَّ ضعف الإعلام هو السبب في فتور
المسلمين نحو القضية، فيمكن القول من نفس المنطلق أن ضعف الإعلام نابع
من الخلل في حُبِّ الرسول r.
 
حب الرسول باتباع سنته

 

 

 

علامات حب رسول الله

ولكن كيف نعرف أننا نحب الرسول r حُبًّا صادقًا؟ أو بأسلوب آخر: ما علامات حب الرسول r؟

الحقيقة أن علامات حب الرسول r كثيرة ومتنوعة، وليس المجال للتفصيل فيها، ولكن نذكر منها:

1- الدفاع عنه r بكل ما لدينا من قوة.

2- اتِّباع سنته r اتباعًا سليمًا، فالشاعر يقول:

لو كان حبُّك صادقًا لأطعته *** إن المحـب لمن يحب مطيـعُ

3- التعريف به r، والحديث عنه.

4- حب صحابته y، وآل بيته r.

5- كثرة الصلاة والسلام عليه r.

6- دراسة سيرته العطرة، ومعرفة دقائق حياته.

7- توقيره عند سماع ذكره، وعدم المجادلة فيما أمر به، ولو كان نافلةً.

وهكذا إذا استقرَّ الأمر على أن هناك خللاً في حُبِّ الأمة الإسلامية لرسول الله r،
وعزمنا على إصلاح الخلل، وأن نقدِّمه r على أنفسنا وأموالنا وأبنائنا، فماذا عسانا أن
نفعل لكي نكون قد أدَّيْنا واجبنا نحوه؟

هذا هو موضوع المقال القادم، ونسأل الله U أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.
                                                                                     د. راغب السرجاني


[1] مسند أحمد (13174)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[2] رواه البخاري (6257)، وأحمد (18981).

25
يناير
2010


 

الشعوب المسلمة وفلسطين بقلم د. راغب السرجاني
أحزن كثيرًا عندما تصلني رسائل أو مكالمات أشعر منها أن بعض المسلمين يشعرون
أنهم مهيضو الجناح، وضعفاء الجانب، ولا حيلة لهم ولا قوة.

إن الشعور بالعجز شعور قاتل، وهو أمر يحتاج الإنسان أن يستعيذ منه،
وأن يسأل الله U أن ينقذه من أخطاره، وقد علَّمنا رسول الله r ذلك فقال
: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ..."[1].

إن كل فرد من أبناء هذه الأمة يستطيع أن يكون فاعلاً، ويمكن أن يكون
إيجابيًّا، ويمكن كذلك أن يكون مؤثِّرًا في الأحداث لا متأثِّرًا بها؛ بل إن
الذي يرضى بواقعه دون أن يحاول أن يُغيَّره ما هو إلا إمَّعة، وذلك كما
وصف رسولنا r.. قال رسول الله r: "لا تَكُونُوا إِمَّعَةً؛ تَقُولُونَ:
إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا. 
وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا"[2].

إنه لا عذر لأحد في أن يكون له دور في كل قضايا المسلمين، وأولها
الآن -وبلا جدال- قضية فلسطين.

أعلم أن الحكام قد تخاذلوا عن نصرة إخوانهم المسلمين في فلسطين، بل وأعلم أن
منهم من يمارس ضغطًا ماديًّا ومعنويًّا ليُعلنوا الاستسلام أمام جحافل اليهود، وأكثر
من ذلك فهم يتتبَّعُون من "يُتَّهم" بنصرة المجاهدين في فلسطين، فيزجُّون بهم في
السجون، ويُشَهِّرُون بهم في وسائل الإعلام.

أعلم ذلك وأشاهده، لكن ليس للحكام أن يُكَبِّلوا طاقات الشعوب، وليس لهم
أن يُضْعِفوا من عزيمة المخلصين، وليس لهم أن يوقفوا طوفانًا حقيقيًّا
كطوفان الإيمان في قلوب الصالحين.

فليفعل الحكام ما يشاءون، لكننا كشعوب مسلمة في أيدينا الكثير
والكثير، ممَّا تعجز قوى البغي والظلم عن منعه أو إحباطه.

إننا نملك لسانًا نستطيع أن نحفظ به قضية فلسطين حيَّة أبد الدهر..

إننا سنتكلم عنها في كل المحافل الإسلامية وغير الإسلامية.. سنشرح
ونُفَصِّل في حَقِّ الفلسطينيين في أرضهم، وسنشرح ونُفَصِّل ظلم اليهود
وبغيهم، وسنصل بلساننا إلى مشارق الأرض ومغاربها، إننا سنُبَلِّغ،
وسيحمل ربُّنا البلاغ إلى العالمين.

إن من أخطر الآفات التي يمكن أن تُصيب قضية فلسطين
أن تموت القضية في قلوب أبناء الأمة، فلا ننشط لها إلا عند
حدوث كوارث ضخمة، أو عندما يسقط الشهداء بالمئات.

إن فلسطين ما زالت محتلة، وحتى ولو هدأت الأمور تمامًا، وتوقَّفت الصواريخ،
وانسحبت الجيوش اليهودية من غزة، حتى لو حدث كل ذلك ففلسطين ما زالت محتلة،
ولا يجب أن تهدأ قضيتها أبدًا. وهذا من ألزم أدوارنا كشعوب، ولا يستطيع حاكم ولا ظالم
أن يُوقفه ما دامت هناك حميَّة في قلوب المسلمين، وما دام المسلمون يعيشون حياة الجدية والجهاد.

إذا كنا نتألَّم الآن لأحداث غزة فلماذا ننشغل عن القضية بأمور قد تكون تافهة وبسيطة،
بل أحيانًا قد تكون من باب المعاصي؟! ليس هذا إلا لأننا نتعامل مع القضية بعواطفنا لا
بعقولنا، والعقل يُلزم الشغل الدائم بالقضية حتى مع هدوء الأمور؛ لأن تحرير البلاد من
العدو فرض عين كالصلاة والصيام، والذي ينساه كالذي ينسى الصلاة تمامًا بتمام.

وليس هذا فقط الذي نملكه كشعوب..

إننا نملك أموالاً كثيرة، حتى وإن كانت في أعيننا قليلة، فالقليل إلى جوار
القليل يُنْشِئ الجبال الرواسي، وإخواننا في غزة يحتاجون المال لا شكَّ في ذلك،
والجهاد بغير مال لا يستقيم، وقد جعل الله عَزَّ وَجَلَّ المال قرين النفس، فجمع في
أكثر من موضع بينهما عند الحديث عن الجهاد، فقال على سبيل المثال:
{لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ 
وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 88].

بل إن الرسول r يُسعدنا ببشارة رائعة عندما يقول
: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا"[3].
أما الكثير من الشباب الذين حال الحكامُ بينهم وبين الجهاد في أرض فلسطين،
فالفرصة أمامهم سانحة ليأخذوا أجر الجهاد؛ وذلك بمساندة المجاهدين بالأموال
ولو كانت بسيطة، ولا نريد عطاءً متحمِّسًا في لحظة واحدة من لحظات الأزمة،
ولكن نريد عطاءً مستمرًّا دائمًا يحفظ مسيرة الجهاد من التوقُّف،
في ذات الوقت يحفظ القضية حيَّة في قلوبنا.


ونملك أيضًا أن نقاطع بضائع عدونا ومن يسانده، وهذا السلاح العظيم المقاطعة ليس
الغرض منه إحداث خسارة اقتصادية عند أعدائنا فقط، ولكن الغرض الرئيسي أن
نُثْبِتَ لأنفسنا وللجميع أننا لا نقبل أن نتعامل مع مَن يقتلون أبناءنا وإخواننا، ومن
يحتلون أرضنا ومقدساتنا. وإذا كنا نطالب حكامنا بوقف التطبيع مع الأعداء،
فيجب علينا أن نكون أوَّل المطبِّقين لذلك بوقف التطبيع مع البضائع اليهودية
والأمريكية والإنجليزية، ومع كل حكومة تتبنَّى موقفًا مساندًا للظلم اليهودي في فلسطين.

وفوق كل ما سبق فإن حكامنا لا يملكون أن يمنعوا أيدينا من أن ترتفع إلى الله U،
وألسنتنا من أن تلهج بالدعاء، وقلوبنا أن تتوجَّه إلى خالق السموات والأرض، أن
ينصر إخواننا المجاهدين في فلسطين، وأن يُثَبِّتَ أقدامهم، ويرزقهم من خزائنه التي
لا تنفد. كما لن يستطيع الحكام أن يمنعونا من أن ندعو على الظالمين، سواء كانوا
غير مسلمين أو مسلمين؛ فالمظلوم لا تُرَدُّ دعوته، وليس بينها وبين الله حجاب.

هذا بعض ما في أيدي الشعب، وإن كان في أيديهم الكثير والكثير، ولا بُدَّ لشعوب
الإسلام أن تتحوَّل من كونها مضغوطًا عليها من حكامها، إلى كونها ضاغطة عليهم،
ولا بُدَّ أن يسعى المسلمون لتغيير الواقع الأليم الذي يعيشونه، وليس الحكام واقعًا
مريرًا كُتب علينا أن نقبل به أو نرضى به، إنما علينا أن نسعى إلى إصلاح
حياتنا والخروج من أزمتنا، وقد فعلت ذلك شعوب كثيرة في الأرض، وليست
بمسلمة، فليس مقبولاً لهذه الأمة العظيمة أن تكون أهون من عامَّة الخلق،
وهي التي جعلها الله U خير أمة أُخرجت للناس.

لعلَّ الكثير يتساءل: وكيف الخلاص؟ أقول: إن الذي يسأل ويحتار لم
يصل بعدُ إلى درجة الإخلاص واليقين التي تنير الطريق، وتهدي السبيل،
وإلاَّ فراجعوا قول الله U الذي يُثْبِتُ فيه الهداية لمن رسخ إيمانهم،
وثبت الصدق في قلوبهم.. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

إن السبيل الصعب الذي نغيّر به أحوالنا، ونُعِزَّ به أُمَّتَنَا، سيصبح
واضحًا جليًّا إذا عشنا بصدق حياة المجاهدين، واطَّلع الله U على ذلك في قلوبنا،

وعندها لن نسأل أبدًا أين الطريق!

ونسأل الله U أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.          د. راغب السرجاني        


[1] رواه البخاري عن أنس بن مالك: كتاب الجهاد والسير، باب ما يتعوذ من الجبن (2668)،
ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره (2706).
[2] رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو
(2007)، وقال: حديث حسن.

[3] رواه البخاري عن زيد بن خالد: كتاب الجهاد والسير، باب فضل
من جهز غازيا أو خلفه بخير (2688)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب
فضل إعانة الغازي في سبيل الله... (1895).


5
يناير
2010


العلماء وحصار غزة بقلم د. راغب السرجاني

 

العلماء وحصار غزة بقلم د. راغب السرجاني

لقد كشفت مأساة غزة، وما صاحبها من أحداث، وما تلاها من ردِّ فعلٍ عن أهمية قيام كل عناصر
الأمة بدورها المنوط بها، ولعل من أهم الأدوار التي ينبغي التأكيد عليها، وإثارة أصحابها ليقوموا بها -
دورَ العلماء.

من يكشف الإجرام الصهيوني والصمت الدولي؟ 

 

 

 

 

منزلة العلماء

إن العلماء للأمة كطوق النجاة للغريق ينقذه من الغرق، ويهبه -بإذن الله- حياة جديدة، والعلماء
هم من يبصرون الحق إذا عميت البصائر في ظلمات الفتن.

وقد رفع الله U العلماء في مكانة سامقة ترنو إليها أبصار المسلمين وأفئدتهم،
فقد قال I: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].

وقد بيَّن الرسول r علو منزلة العلماء حتى على العُبَّاد من الأمة، وبيَّن أيضًا كيف
يرحم الله U وتدعو الملائكة والناس جميعًا حتى الحيوانات والحشرات للعالِم الذي يعلِّم
الناس، فقال r: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه r:
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ
لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ"[1].

ولهذه المكانة السامقة التي وضع الله U ورسوله r فيها العلماء، يلوذ المسلمون
دائمًا بهم في المُلمَّات، ويسترشدون بأقوالهم علَّها تنقذهم؛ لذا علينا أن نتساءل:
ما دور العلماء إذن في مثل محنة غزة؟ وهل قاموا بها فعلاً أم لا؟

إرشاد الحكام ومواقف تاريخية

إننا نرى أن أول واجب على العلماء القيام به هو تعريف الحكام بما يجب أن يقوموا به، 
وما يجب أن يكونوا عليه، وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الأمة؛ فإن الله U يزع بالسلطان
ما لا يزع بالقرآن، وإن الحاكم مسئول أمام الله U يوم القيامة عن رعيته كلها، "كُلُّكُمْ رَاعٍ،
وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[2].

وينبغي أن لا يهتم العالم بما قد يصيبه من أذى نتيجة صَدْعِهِ بالحق، فكل الناس مُبتلًى،
وهذا هو ابتلاء العلماء، وإن لم يثبت العلماء ويقولوا الحق، فمن يصدع به إذن؟!!

ولا يفوتنا التذكير بما حدث للإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- عندما جأر بالحق في
فتنة خلق القرآن، وظلَّ يتحمل التعذيب نتيجة ذلك ما يقرب من سبعة عشر عامًا،
حتى نصر الله الحق على يديه بإذنه تعالى.

لقد حفظت الأمة له هذا الجميل، فلقبته بإمام أهل السُّنَّة والجماعة، ولكن فضل ربك
خير وأبقى. وكذلك نتذكر بكل الفخر والإعزاز مواقف سلطان العلماء
العز بن عبد السلام مع الملك الصالح إسماعيل في دمشق، والصالح نجم الدين أيوب في مصر.

إرشاد المسلمين وكشف الحقائق

ومن أدوار العلماء المهمة في مثل هذه المحن، إرشاد المسلمين إلى ما يجب عليهم
نحو إخوانهم؛ فالأخوة الإسلامية هي من شعائر هذا الدين، ولا يجوز لمسلم أن يترك نصرة
أخيه المسلم حين يحتاجه، وكيفية تفعيل هذه الأخوة في هذه المواقف لا بُدَّ أن يدلي فيها العلماء بدلوهم.

كما ينبغي أن يوضح العلماء الحقائق لعموم المسلمين؛ فقد بدأت نبرة أعداء الأمة الإسلامية في
الداخل -أي المنافقين- تعلو مُدَّعِيةً أن ما حدث من دخول إخواننا المحاصَرين في غزة إلى
مصر مؤامرة مرتَّبة، وأنه انتهاك للسيادة المصرية، إلى آخر هذا الكلام الذي ألقاه أولياؤهم
من أعداء الأمة على ألسنتهم.

إن على العلماء دورًا كبيرًا في كشف زيف هذه الأقوال، وغرض أصحابها من وراء إطلاقها.
كما أن عليهم دعوة الأمة الإسلامية إلى التضامن الحقيقي بالأفعال لا الأقوال.

وعلى العلماء كذلك أن يشرحوا للناس أبعاد القضية، وجذور المشكلة، ولماذا احتُلَّت فلسطين
أصلاً، وكيف تم ذلك، ومَن العدو في قصتها، ومن الصديق، وما المتوقَّع في هذه الأحداث،
وما رد الفعل المطلوب.

تحامل إعلامي واضح

 

 

 

 

 

العلماء قدوة واختلافهم فتنة

ومن الأحرى بالعلماء إذا دعوا المسلمين إلى أمر مناصرة إخوانهم أن يكونوا أول المشاركين فيه،
فيجاهدون بأموالهم وألسنتهم، وإلاّ فقد الناس القدوة والنموذج، وألقى شياطين الجن والإنس في
قلوبهم أن هؤلاء العلماء يقولون ما لا يفعلون، فثبطوهم عن طاعة الله بالوقوف مع إخوانهم.

وإذا أراد العلماء أن يكون لصوتهم أثر فعليهم أن يتجمعوا في كيان واحدٍ؛ ليكون صوتهم مؤثرًا،
ولن يحدث ذلك إلا إذا تناسوا خلافاتهم، وأقبل بعضهم على بعضٍ بحب.

وعليهم ألا يكرروا ما حدث خلال فترات الضعف في التاريخ الإسلامي من
خلافات أضاعت الأمة، فالتاريخ لا ينسى أنه في عام 317هـ، حينما وقع
خلاف في بغداد بين بعض شيوخ الحنابلة وبين عموم الناس حول تفسير
آية من القرآن الكريم، فتحزَّب كل فريق، واقتتلوا بسبب ذلك، ووقع بينهم
قتلى، بينما كان ذلك يحدث كان القرامطة -وهم فرقة خارجة عن الإسلام- يقتحمون
المسجد الحرام، ويقتلون الحجيج، ويسرقون الحجر الأسود، ويأخذونه إلى عاصمتهم
"هَجَر" في البحرين لمدة عشرين عامًا.

اجتماع كلمة علماء الأمة












كان الخلاف بين المسلمين سببَ ضعف الأمَّة وتفرُّقها، وقد كان علماء هذا الزمان مشاركين
في هذا التفرُّق، فعلى العلماء الآن أن يدركوا خطورة الفُرقة، وأن يسعوا إلى الوحدة والتوافق.

وقد أجرينا على الموقع استبيانًا حول تقييم دور العلماء في أزمة غزة، وهل هو ممتاز،
أم جيد أم ضعيف؛ فجاءت نسبة الأصوات لمن يرونه ممتازًا 12.3%، ونسبة من
يرونه جيدًا 23.9%، ونسبة من يرونه ضعيفًا 63.9%؛ مما يكشف عن عدم رضا
الأمة عن جهود علمائها في هذه المحنة، وعن أدائهم بصفة عامَّة، فعلى علمائنا
أن ينشطوا للقيام بأدوارهم التي أوكلها الله U إليهم، وتنتظرها الأمة منهم.

نسأل الله U أن يوفِّق علماءنا إلى ما فيه الخير، وأن يبارك في جهودهم
؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                    د. راغب السرجاني
 
[1] الترمذي: كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة (2685)، وقال الألباني: صحيح.
انظر حديث رقم (4213) في صحيح الجامع.
[2] البخاري (853، 2278)، ومسلم (1829).



27
ديسمبر
2009



عاشوراء وهلاك فرعون بقلم د. راغب السرجاني
لا شك أن يوم هلكة الظالمين يوم عيد!!

وحتى لو كان المظلومون غير مسلمين فإننا نكره هذا الظلم وندينه، ونفرح بإزالته ونسعد، فالظلم مقيت بكل أنواعه؛ لذلك يقول الله U في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذر t، عن رسول الله r مبلغًا عن رب العزة: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالَمُوا".

صوم عاشوراء نحن أولى بموسى منهمولذلك عندما دخل رسول الله r المدينة المنورة بعد هجرته من مكة وجد أن اليهود تصوم يوم عاشوراء، وهو العاشر من المحرم، فقال -كما يروي البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما-: "مَا هَذَا؟" قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نجَّى اللهُ بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. فقال رسول الله r: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"؛ فصامه وأمر بصيامه.

وكان صيامه في بادئ الأمر فرضًا على المسلمين، ثم لما فرض صيام رمضان جعل رسول الله r صيام عاشوراء نافلةً، لكنه أراد أن يحفِّز المسلمين على عدم ترك صيامه، فقال -كما يروي مسلم عن أبي قتادة t-: "صِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً".

ولا بد لنا أن نتساءل: لماذا هذا الاهتمام الكبير والاحتفال المهيب بيوم عاشوراء؟!

إن العبرة الواضحة، والهدف الجليّ لهذا الأمر أن رسول الله r يريد ألاَّ تمر هذه الذكرى على أذهان المسلمين دون تدبر وفهم؛ إنه أراد لنا أن نجلس لدراسة هذا الحدث ولو مرة في كل عام؛ ذلك أن الحدث ضخم والعبرة عميقة.

لقد مرَّ على بني إسرائيل زمانٌ شعر فيه الكثيرون أن النصر بعيد، وأن الأمل يكاد يكون مفقودًا في تغيير الواقع، وأن فرعون سيظل جاثمًا على أنفاس شعبه أبد الدهر، وأن الجنود الظالمين سيظلون في أماكنهم مهما حاول الضعفاء من بني إسرائيل.

ثم ماذا حدث؟!

إننا جميعًا رأينا، وفهمنا، ولكن كثيرًا ما ننسى!

إننا رأينا فرعون يقود جيشه في غرور وكبر ليقتحم البحر بعد أن رأى معجزة انشقاقه، فيهلك ويهلك معه جنده وأعوانه في لحظة واحدة؛ رأينا هذا الحدث وفهمنا أن الله قادر على كل شيء، وأدركنا بوضوح أن الظالمين لا بد لهم من رحيل، وأنه مهما طالت فترات حكمهم وطغيانهم فإنهم إلى زوال. وما أروع ما قاله r فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري t: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].

إن هذا ما كان يريد رسولنا الأكرم والأعظم أن نتذكره.

إن الأمل لا ينبغي أبدًا أن يموت في قلوبنا، فمهما مرَّ على المؤمنين من أزمات فإنهم يخرجون منها بفضل الله وقوته، قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

ثم إن سنة إهلاك الظالمين ليست حدثًا فريدًا حدث في أيام موسى u عندما هلك الطاغية المتكبر فرعون، بل حدثًا متكررًا بشكل كثيف في أحداث الدنيا؛ ولذلك يقول ربُّنا I في سورة الأنبياء: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ} [الأنبياء: 11].

وما أعمق الكلمة التي قالها رسول الله r يوم قُتل أبو جهل في يوم بدر عندما كبَّر، ثم قال: "هَذَا فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ"!!

فرعونلقد ربط رسول الله r في كلمة واحدة بين الفرعون الأول الذي كثر ذكره في صفحات القرآن الكريم، وبين الطاغية الجديد أبي جهل؛ ليرسخ في أذهاننا أن الصورة التي ذكرها ربنا لفرعون في كتابه ليست مجرد تأريخ لأحداث الماضي، إنما هي وصف دقيق لنمط الفراعنة المتكبرين، وشرح مفصل لسيرة حياتهم، وطريقة تفكيرهم، ووسائل طغيانهم، ومواقف المؤمنين منهم، ثم هي في النهاية توضيح جلي لخاتمتهم مهما تكبروا، ولنهايتهم مهما ظلموا.

إن الرسول r بهذه الكلمة الرائعة جعل لنا القرآن الكريم كتابًا واقعيًّا ينبض بالحياة، فكل مسلم يفتح هذا الكتاب ويقرأ صفحات فرعون سيسقطها على فرعون زمانه ومكانه، وما أكثر الفراعنة! وما أكثر الثياب التي يلبسونها! فتارةً يأتي في ثياب الكفرة الوثنيين، وأخرى يأتي في ثياب الصليبيين، وثالثة يأتي في ثياب التتار، ورابعة في ثياب المستعمرين الأوربيين، بل كثيرًا ما يأتي في ثياب المسلمين!!

حقًّا.. ما أكثر الفراعنة!!

لكن من المؤكد أن لهم جميعًا نهاية، فالله U لا يخلف الميعاد.

إن هذا هو المعنى الذي حرص رسول الله r على إدخاله في عقولنا، وهذا هو السبب الذي من أجله نحتفل بهذا اليوم، وهذه هي العبرة التي يجب أن نأخذها من الحدث، ولا ينبغي لنا أن نترك وسائل الإعلام، أو بعض الطوائف والفرق أن تأخذنا بعيدًا عن هذا الهدف؛ ولا ينبغي لنا أن نتركهم يعبثون بأذهاننا، وينحرفون بغاياتنا ومبادئنا عما أراده لنا رسولنا وقدوتنا r.

إنَّ يوم عاشوراء يومٌ صالح؛ فيه رُفع الظلم، وفيه نُصر الإيمان، وفيه ظهرت قدرة رب العالمين. ونسأل الله U أن يرزقنا يومًا عظيمًا كهذا اليوم، تُرفع فيه رايات العزة والمجد للمؤمنين من أبناء هذه الأمة الكريمة. اللهم آمين!
د. راغب السرجاني