6
سبتمبر
2010
عندما يؤكد الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد مرة اخرى بان اي هجوم على بلاده سيؤدي الى 'محو اسرائيل' و'ان الكيان الصهيوني ذاهب الى الاضمحلال'، فان هذا الكلام الواضح الصريح يعكس ثقة بالنفس، مثلما يرسل رسالة الى الجهات المعنية، اي اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية من ضمنها، تحذر من الاقدام على اي هجوم على ايران.
فليس من قبيل الصدفة ان يطلق الرئيس الايراني تصريحاته هذه من الدوحة عاصمة دولة قطر، حيث توجد قاعدة امريكية عسكرياً اولاً، وحيث تزدحم مياه الخليج العربي بالاساطيل وحاملات الطائرات الامريكية التي ستشارك حتماً في اي هجوم على ايران ثانياً.
فالرئيس الايراني يختار كلماته بعناية فائقة، في اطار الحرب النفسية التي يشنها حالياً ضد اعداء بلاده،
فليس من قبيل الصدفة ان يطلق الرئيس الايراني تصريحاته هذه من الدوحة عاصمة دولة قطر، حيث توجد قاعدة امريكية عسكرياً اولاً، وحيث تزدحم مياه الخليج العربي بالاساطيل وحاملات الطائرات الامريكية التي ستشارك حتماً في اي هجوم على ايران ثانياً.
فالرئيس الايراني يختار كلماته بعناية فائقة، في اطار الحرب النفسية التي يشنها حالياً ضد اعداء بلاده،
وكرد على تهديدات اسرائيلية وامريكية متواصلة تتخذ اشكالاً مختلفة.
معظم الخبراء يرجحون حرباً امريكية اسرائيلية ضد ايران لتدمير مشاريعها النووية، ولكن ما يختلفون عليه هو موعد شن هذه الحرب، فالبعض يقول انها في غضون عام (مجلة اتلانتك الامريكية) والبعض الآخر يرى انها قد تكون قبل نهاية هذا العام او مطلع العام المقبل، حيث تكون الاستعدادات لها قد اكتملت، مثل بيع دول خليجية بطاريات صواريخ باتريوت، واسرائيل طائرات شبح امريكية من طراز (اف 35) التي تعتبر الاكثر تقدماً في الترسانة العسكرية الامريكية.
الجنرال مايك مولن رئيس هيئة اركان القوات الامريكية اعترف في حديث تلفزيوني ان قرار الحرب قد جرى اتخاذه، ولكن هناك قلقا من النتائج التي يمكن ان تترتب على اي هجوم ضد ايران، لان الخسائر قد تكون ضخمة جداً.
الرئيس نجاد لا بد ان اطلع على هذه التهديدات، ولذلك يريد ان يزيد من قلق الادارة الامريكية بالحديث عن محو اسرائيل من الوجود، لانه يدرك مدى حرص الولايات المتحدة، والغرب عموماً، على هذه الدولة واستمرارها كقوة اقليمية عظمى.
ولعل الرئيس نجاد يذّكر بتهديدات اخرى اطلقها قائد الحرس الثوري الايراني، وقال فيها ان اي عدوان على المنشآت النووية الايرانية ستقابل بقصف تدميري للمفاعلات النووية الاسرائيلية في منطقة ديمونا وسط صحراء النقب في جنوب فلسطين المحتلة.
احتمالات الحرب تتزايد يوماً بعد يوم، وتتراجع في الوقت نفسه احتمالات الحلول الدبلوماسية للملف النووي الايراني. فالحصار الاقتصادي المفروض على ايران بقرار من مجلس الامن الدولي وبتحريض امريكي اسرائيلي، يتوسع بشكل تدريجي. وآخر حلقة فيه احجام مصارف دولة الامارات العربية المتحدة عن اجراء اي تحويلات مالية الى مصارف او شركات او شخصيات ايرانية.
الحرب وباختصار شديد تبحث عن عود ثقاب لاشعالها، فالاصابع على الزناد، والطرفان، او الاطراف المرشحة للتورط فيها تبحث عن الذريعة او الحجة فعندما يقول توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق ان ايران اليوم اخطر عشر مرات من صدام حسين قبل سبع سنوات، وانه يؤيد الحرب ضدها لتدمير برامجها ومنشآتها النووية، فان علينا ان نتوقع الاسوأ.
حروب اليوم من السهل الانتصار فيها اذا اشعلت فتيلها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، ولكن من الصعب الحفاظ على هذا النصر اولا، وانهاء الحرب لمصلحة الطرف المعتدي، ولنا في كل من العراق وافغانستان امثلة حية في هذا الاطار.
الايرانيون يملكون الاسلحة والعتاد، مثلما يملكون العزم والارادة لتنفيذ تهديداتهم، فترسانتهم مليئة بالصواريخ من مختلف الاوزان والاحجام والابعاد. وكذلك حلفاؤهم في سورية ولبنان (حزب الله)، وهذه الصواريخ قد تذهب في معظمها في اتجاه واحد، اي اسرائيل بالدرجة الاولى، وعدة اتجاهات اخرى، اي القوات الامريكية وقواعدها في الخليج العربي.
الرئيس الايراني يحتفل بيوم القدس العالمي، وتزحف مئات الآلاف من الايرانيين تنديدا بالاحتلال الاسرائيلي في تعبئة شعبية وسياسية واضحة، بينما هناك عواصم عربية ليست هادئة فقط، بل تتآمر قيادتها مع اسرائيل وامريكا للعدوان على المحور السوري الايراني، وتصفية القضية الفلسطينية في الوقت نفسه.
معظم الخبراء يرجحون حرباً امريكية اسرائيلية ضد ايران لتدمير مشاريعها النووية، ولكن ما يختلفون عليه هو موعد شن هذه الحرب، فالبعض يقول انها في غضون عام (مجلة اتلانتك الامريكية) والبعض الآخر يرى انها قد تكون قبل نهاية هذا العام او مطلع العام المقبل، حيث تكون الاستعدادات لها قد اكتملت، مثل بيع دول خليجية بطاريات صواريخ باتريوت، واسرائيل طائرات شبح امريكية من طراز (اف 35) التي تعتبر الاكثر تقدماً في الترسانة العسكرية الامريكية.
الجنرال مايك مولن رئيس هيئة اركان القوات الامريكية اعترف في حديث تلفزيوني ان قرار الحرب قد جرى اتخاذه، ولكن هناك قلقا من النتائج التي يمكن ان تترتب على اي هجوم ضد ايران، لان الخسائر قد تكون ضخمة جداً.
الرئيس نجاد لا بد ان اطلع على هذه التهديدات، ولذلك يريد ان يزيد من قلق الادارة الامريكية بالحديث عن محو اسرائيل من الوجود، لانه يدرك مدى حرص الولايات المتحدة، والغرب عموماً، على هذه الدولة واستمرارها كقوة اقليمية عظمى.
ولعل الرئيس نجاد يذّكر بتهديدات اخرى اطلقها قائد الحرس الثوري الايراني، وقال فيها ان اي عدوان على المنشآت النووية الايرانية ستقابل بقصف تدميري للمفاعلات النووية الاسرائيلية في منطقة ديمونا وسط صحراء النقب في جنوب فلسطين المحتلة.
احتمالات الحرب تتزايد يوماً بعد يوم، وتتراجع في الوقت نفسه احتمالات الحلول الدبلوماسية للملف النووي الايراني. فالحصار الاقتصادي المفروض على ايران بقرار من مجلس الامن الدولي وبتحريض امريكي اسرائيلي، يتوسع بشكل تدريجي. وآخر حلقة فيه احجام مصارف دولة الامارات العربية المتحدة عن اجراء اي تحويلات مالية الى مصارف او شركات او شخصيات ايرانية.
الحرب وباختصار شديد تبحث عن عود ثقاب لاشعالها، فالاصابع على الزناد، والطرفان، او الاطراف المرشحة للتورط فيها تبحث عن الذريعة او الحجة فعندما يقول توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق ان ايران اليوم اخطر عشر مرات من صدام حسين قبل سبع سنوات، وانه يؤيد الحرب ضدها لتدمير برامجها ومنشآتها النووية، فان علينا ان نتوقع الاسوأ.
حروب اليوم من السهل الانتصار فيها اذا اشعلت فتيلها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، ولكن من الصعب الحفاظ على هذا النصر اولا، وانهاء الحرب لمصلحة الطرف المعتدي، ولنا في كل من العراق وافغانستان امثلة حية في هذا الاطار.
الايرانيون يملكون الاسلحة والعتاد، مثلما يملكون العزم والارادة لتنفيذ تهديداتهم، فترسانتهم مليئة بالصواريخ من مختلف الاوزان والاحجام والابعاد. وكذلك حلفاؤهم في سورية ولبنان (حزب الله)، وهذه الصواريخ قد تذهب في معظمها في اتجاه واحد، اي اسرائيل بالدرجة الاولى، وعدة اتجاهات اخرى، اي القوات الامريكية وقواعدها في الخليج العربي.
الرئيس الايراني يحتفل بيوم القدس العالمي، وتزحف مئات الآلاف من الايرانيين تنديدا بالاحتلال الاسرائيلي في تعبئة شعبية وسياسية واضحة، بينما هناك عواصم عربية ليست هادئة فقط، بل تتآمر قيادتها مع اسرائيل وامريكا للعدوان على المحور السوري الايراني، وتصفية القضية الفلسطينية في الوقت نفسه.
24
أغسطس
2010
ما زالت الخطط التي تقوم بالكشف عنها الجمهورية الاسلامية الايرانية فيما يتعلق بسباق التسلح في المنطقة، تقض مضاجع صنّاع القرار في تل ابيب، وذهبت المصادر الاسرائيلية الرسمية الى القول انّ اختيار الجنرال يواف غالانط، كرئيس لهيئة الاركان العامة، خلفا للجنرال اشكنازي، الذي تنتهي ولايته بعد اثقل من نصف سنة، كان بمثابة رسالة ارادت تل ابيب ايصالها الى طهران.
وبحسب المحلل العسكري في موقع صحيفة 'يديعوت احرونوت'، رون بن يشاي، فانّ ابرز سمات غالانط كرجل عسكري تفضيله للخيار الهجومي على خيارات عسكرية اخرى، مشددا على انّه، اي غالانط، اتبع هذه الاسلوب الهجومي منذ كان ضابطا في الكومندوز البحري وحتى الحرب الاخيرة على قطاع غزة، ويلفت الى انه كقائد اللواء الجنوبي في جيش الاحتلال،
كان يدفع لمهاجمة قطاع غزة قبل الحرب بفترة طويلة للاطاحة بحركة حماس، على حد تعبيره.وبحسب المحلل العسكري في موقع صحيفة 'يديعوت احرونوت'، رون بن يشاي، فانّ ابرز سمات غالانط كرجل عسكري تفضيله للخيار الهجومي على خيارات عسكرية اخرى، مشددا على انّه، اي غالانط، اتبع هذه الاسلوب الهجومي منذ كان ضابطا في الكومندوز البحري وحتى الحرب الاخيرة على قطاع غزة، ويلفت الى انه كقائد اللواء الجنوبي في جيش الاحتلال،
واوضح بن يشاي انّ وزير الامن الاسرائيلي، ايهود باراك، قرر اختيار غالانط بسبب اسلوبه العسكري الهجومي، معتبرا ذلك بمثابة رسالة الى ايران مفادها انّ تل ابيب لا تنوي الجلوس مكتوفة الايدي حتى مهاجمتها بالقذائف والصواريخ وحتى بصواريخ غير تقليدية، وبحسب تقديرات المحلل الاسرائيلي فانّه في حال تمت مهاجمة اسرائيل بالقذائف او الصواريخ فانّها سترد بهجوم صارم وواسع لاحباط هذه التهديدات الاستراتيجية، على حد وصفه.
وخلص الى القول انّ الرسالة ليست فقط لمواطني اسرائيل وللجيش بل لسورية وايران وحزب الله وحتى للادارة الامريكية والدول الاوروبية.
وفي نفس السياق ركزّت صحيفة 'يديعوت احرونوت' امس الاثنين على قضية الطائرة التي اعلنت عنها ايران، طائرة بدون طيار، واصفة اياها بأنها في الواقع صاروخ يصل مداه الى 1000 كيلومتر، وقالت نقلا عن خبير اسرائيلي قوله انّه في حال قامت ايران بخفض حمولة الطائرة من القنابل عندها تصبح قادرة على الوصول الى اسرائيل.
واشارت الصحيفة العبرية الى انّه بعد الاحتفال الايراني بتفعيل المفاعل النووي الاول في بوشهر، يوم السبت الماضي، قام الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد بالاعلان، يوم امس الاول، عن طائرة بدون طيار القادرة على التحليق لمسافات بعيدة جدا وبسرعة عالية جدا.
واشارت الى اقوال وزير الدفاع الايراني احمد وحيدي ان الطائرة، التي تحمل الاسم (كرار)، قادرة على التحليق لمسافة تصل الى الف كيلومتر، كما انها قادرة على حمل 4 صواريخ موجهة بامكانها الاختفاء عن شاشات الرادار. كما ان الطائرة قادرة على تغيير حمولتها بحسب المهمة، حيث انه يمكن استبدال الصواريخ بقنبلتين تزن كل واحدة 115 كيلوغراما، او بصاروخ واحد موجه بزنة 230 كيلوغراما. وفي هذا السياق نقلت عن خبراء اسرائيليين قولهم انّ الحديث عن طائرة نفاثة تعتمد على انظمة متوفرة. بالاضافة الى ذلك، نقلت عن خبير في معهد (فيشر) للطيران والفضاء، طال عينبار، قوله انّ الحديث هو عن صاروخ موجه يصل مداه الى 1000 كيلومتر.
وزاد قائلا انّ الطائرة في هذه المرحلة غير قادرة على الوصول الى اسرائيل التي تبعد نحو 1300 كيلومتر عن ايران، الا انه في حال خفض حمولة الطائرة فسيكون بالامكان زيادة مداها. وتابع الخبير عينه قائلا للصحيفة العبرية انّ الايرانيين، وبدون ادنى شك، حققوا خطوة الى الامام في قدراتهم على اطلاق اسلحة بدقة عالية ولمسافات بعيدة، على حد تعبيره.
وقالت الصحيفة ايضا ان الدولة العبرية كانت على علم بالبرنامج الايراني لتطوير طائرة مقاتلة بدون طيار، وانه على ما يبدو يوجد لدى ايران اكثر من طراز واحد من هذه الطائرات. كما لفتت الى قيام ايران باجراء تجربة صاروخية، قبل بضعة ايام، على صاروخ ارض ارض من انتاجها، مشيرة الى انه من المتوقع ان تعلن ايران في الايام القادمة عن اسلحة اخرى قامت بتطويرها، تشمل ايضا صاروخ (فتح 110) الذي يصل مداه الى 200 كيلومتر. وقال الخبير الاسرائيلي عينبار ان الصاروخ المشار اليه مجهز بنظام توجيه متطور، ونظرا لصغر وزنه فهو سريع جدا، ويصل طوله الى 8 امتار، ومن الممكن نقله من مكان الى اخر بسهولة، كما يمكن اطلاقه من سفينة. واضاف انه ليس من المستبعد ان يتم تسليح حزب الله بمثل هذا الصاروخ. كما لفتت الصحيفة الى قيام ايران، قبل عدة ايام، بعرض 4 غواصات حديثة من انتاجها، وقارب سريع بامكانه الاختفاء عن شاشات الرادار. وبينما اشارت الصحيفة الى ان التقديرات الاسرائيلية تشير الى ان ايران تنفق مليارات الدولارات على تطوير الاسلحة، فقد اشارت الى انّ ايران قامت بانتاج طائرة قتالية مماثلة للطائرات الامريكية القديمة (اف 5)، وصاروخ باليستي (شهاب 3) يصل مداه الى 1300 كيلومتر، وصاروخ باليستي (سجيل) يصل مداه الى 2000 كيلومتر، وغواصات صغيرة لاغراض استخبارية وعملانية، وصاروخين مضادين للطائرات يشابهان الى حد كبير الصاروخ الروسي S300) ) ومدافع مضادة للطائرات ذات اكثر من فوهة اطلاق، وقنابل جوية ثقيلة بعضها موجه.
من ناحيته رأى المحلل للشؤون العسكرية قي 'يديعوت احرونوت'، اليكس فيشمان، انّ الدولة العبرية تتحدث عن تهديد وجودي مستقبلي من ناحية ايران، ولكنها هي نفسها تضع اعداءها في خطر وجودي منذ زمن بعيد، وهذه القدرة تتصاعد بشكل متواتر، على حد تعبيره، واضاف انّ ما اسماها بالعناوين الامنية في الفترة الاخيرة لا تُبشّر باندلاع حرب في الفترة القريبة، وبرأيه فانّ ما اسماها بالحرب الاخرى، لا تتعلق بالتهديدات الوجودية على اسرائيل، بل مرتبطة في عملية قضم شرعية اسرائيل في العالم، هذه الحرب، التي فيها اسرائيل، ستستمر وبقوة اكبر، على حد قوله.
21
أغسطس
2010
لم يرفع الجنود الامريكيون اياديهم ملوحين بعلامة النصر، وهم يتسللون ليلا، وتحت جنح الظلام الى الكويت، قبل اسبوعين من الموعد المقرر لانسحاب آخر وحداتهم القتالية من العراق. ولم يودعهم العراقيون بباقات الزهور باعتبارهم محررين. كما لا نعتقد ان حلفاءهم العراقيين الذين جاءوا معهم، على ظهور دباباتهم، كانوا على علم بخطط الانسحاب هذه، وموعد تنفيذها. وحتى اذا علموا، فانهم كانوا مشغولين عنها بالتفكير بمصيرهم.
تقليص عدد القوات الامريكية الى خمسين الفا فقط، رغم معارضة الحليف العراقي، وفي مثل هذا التوقيت، ربما يكون في اطار الاستعدادات لحرب اخرى، او هروبا من نتائجها، قد تستهدف لبنان اولا، والمنشآت النووية والبنى التحتية الايرانية ثانيا، او الاثنين معا .
الامريكيون يعلمون جيدا ان اي ضربة لايران او لحزب الله في لبنان، قد ترتد جحيما على قواتهم في العراق حيث النفوذ الايراني في ذروته، وحيث يتوقع الكثير من المحللين ان تقع القوات الامريكية فيه فريسة سهلة لانصار ايران وحلفائها وهم الاغلبية.تقليص عدد القوات الامريكية الى خمسين الفا فقط، رغم معارضة الحليف العراقي، وفي مثل هذا التوقيت، ربما يكون في اطار الاستعدادات لحرب اخرى، او هروبا من نتائجها، قد تستهدف لبنان اولا، والمنشآت النووية والبنى التحتية الايرانية ثانيا، او الاثنين معا .
وليس صدفة ان يتزامن هذا الانسحاب، وتموضع القوات الامريكية في الكويت مع اعلان امريكا عن بيع الكويت صفقة صواريخ من طراز 'باتريوت' تصل قيمتها الى ملياري دولار، للتصدي لاي صواريخ ايرانية ممكن ان تقصف هذه القوات الامريكية.
وليس صدفة ايضا ان يصدر بيان اللجنة الرباعية للسلام الذي سيستخدمه مسؤولو السلطة في رام الله كغطاء للعودة الى المفاوضات المباشرة بسقف زمني مدته عام، تؤدي الى قيام دولة فلسطينية مستقلة. هذه المدة الزمنية تكفي، حسب التقديرات الامريكية، لتدمير ايران، وسحق لبنان، فقد علمتنا تجارب الحروب السابقة انه في كل مرة تضغط امريكا لمفاوضات سلام، وتتحدث عن تسوية للقضية الفلسطينية تنطلق القاذفات والطائرات والصواريخ ضد بلد عربي او اسلامي.
* * *
حالة الرعب بدأت تدب في اوساط النخبة السياسية الحاكمة في العراق، او النسبة الكبيرة منها، لسببين: الاول لانهم يعرفون ان هذه الحرب باتت وشيكة، والثاني الخوف من المصير الاسود الذي ينتظرهم في حال قيام ثورة شعبية، او حكومة وطنية تتولى محاسبتهم. وقد بدأنا نشاهد طلائع هؤلاء تتدفق الى العواصم الاوروبية، وخاصة لندن، حيث اموالهم واستثماراتهم التي نهبوها من العراق، وحيث عائلاتهم التي لم تغادر لندن اساسا لانها لا تطيق العيش في 'العراق الجديد' الذي لا يناسبها ولا توجد فيه الكماليات اللازمة للاستمتاع بالمليارات التي نهبت من ثروات ابناء الشعب العراقي في اكبر عملية فساد في تاريخ المنطقة، وربما العالم بأسره.
العراق يقف حاليا امام مرحلة دموية من الفوضى والتصفيات الطائفية بسبب الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات الامريكية المتعجل، ولعل اول من تنبأ بها رئيس اركان الجيش العراقي الفريق اول بابكر زيباري عندما اكد بان قواته تحتاج الى عشر سنوات (2020) حتى تصبح مؤهلة لتولي المسؤوليات الامنية في البلاد. وبعد يوم واحد من هذه 'الفتوى الامنية' نجح انتحاري في تفجير نفسه وسط متطوعين مرشحين للانضمام للجيش العراقي، مما ادى الى مقتل 60 منهم واصابة اكثر من مئة آخرين. ودخل شهر تموز(يوليو) التاريخ العراقي بانه الاكثر دموية (500 قتيل) منذ عودة الهدوء النسبي الى العراق في العامين الماضيين اي بعد تشكيل 'الصحوات'، وزيادة عدد القوات الامريكية (surge)، وارغام سورية بعد اغتيال الحريري على اغلاق حدودها بالكامل في وجه العناصر الراغبة في الانضمام الى المقاومة العراقية.
في الماضي القريب، جرى طرح تعبير 'ايتام صدام' للتداول في اوساط المبشرين بالعراق الجديد، كنوع من السخرية (توقف الحديث مؤخرا عن نظام صدام او بالاحرى خفت حدته)، ويبدو ان المصطلح نفسه قد يستخدم بقوة في الايام المقبلة ولكن مع بعض التعديلات، فبدلاً من 'ايتام صدام' سيروج مصطلح 'ايتام امريكا' الذين سيجدون انفسهم وجها لوجه امام الشعب العراقي الذي خدعوه، ومارسوا ابشع عمليات التضليل لاقناعه بمشروعهم الدموي الثأري الطائفي، حتى لو جاء هذا المشروع على حساب العراق ووحدته وهويته.
السيد عادل عبد المهدي نائب رئيس 'العراق الجديد' اعترف الاسبوع الماضي، وبشكل موارب، في احدى المقابلات الصحافية، وهو اعتراف نادر على اي حال، بان النخبة العراقية الحاكمة فشلت في اقامة نظام سياسي مستقر يحقق طموحات الشعب العراقي بسبب خلافاتها الداخلية والشخصية المتفاقمة.
* * *
خمسة اشهر ومنذ اجراء الانتخابات النيابية، التي يمكن ان تكون الاخيرة فعلا، والعراق دون حكومة رغم الوساطات والتدخلات الامريكية التي لم تتوقف، والبرلمان الذي تمخض عنها لم ينعقد الا لربع ساعة، ولم يتم انتخاب رئيس له، وبالتالي رئيس للجمهورية. ولا يلوح في الافق اي مؤشر عن قرب التوصل الى اتفاق.
القوات الامريكية انسحبت من محافظة الانبار، وخلفت وراءها ايتامها من عناصر الصحوات، ترى ماذا سيحدث لهؤلاء بعد رحيل 'كفيلهم' الامريكي، وباتوا مثل 'اللقطاء' غير معروفي الاب، فلا هم من اجهزة 'العراق الجديد'، ولا هم قوات مقاومة للاحتلال التي خانوها وتعاونوا مع الاحتلال ضدها، ولا هم من المواطنين العاديين المغلوبين على امرهم، ولا هم رحلوا مع مستخدميهم الامريكيين مثل نظرائهم الفيتناميين او بعضهم، او حتى الفلسطينيين الذين اجلاهم الاسرائيليون بعد الانسحاب من غزة.
نفهم، ولا نتفهم، ان لا يستوعب رجال الصحوات هؤلاء وزعماؤهم (خاصة من قادة العشائر) ونسبة كبيرة منهم من الجهلة فكريا وسياسيا، الدرس الابرز في التاريخ الذي يفيد بان جميع الذين تعاونوا مع احتلال بلادهم وقواته واجهوا مصيرا حالك السواد، بعد تخلي المحتلين عنهم وهروبهم تحت جنح الظلام مهزومين، ولكن لا نفهم ان يقع في هذه الخطيئة سياسيون ورجال دين كبار يرتدون العمائم بمختلف ألوانها، وبعض هؤلاء دكاترة وخريجو جامعات غربية او حوزات علمية مشهود لها في العلوم الدينية والفقهية.
تعالوا لنجري 'جردة حساب' لما جرى في العراق بعد سبع سنوات من احتلاله، والانجازات التي تحققت بفضل هذا الاحتلال، وما اذا كانت تستحق الثمن الباهظ المدفوع من دماء العراقيين والامريكيين وثرواتهم في المقابل؟
* * *
يتباهى الامريكيون وحلفاؤهم بانهم اطاحوا بنظام 'الطاغية' صدام حسين حسب تعبيرهم، وهذا صحيح، فنظام صدام لم يعد يحكم العراق، ولكن هناك خمسة ملايين يتيم، ومليون ارملة، ومليوناً ومئتي شهيد، وستة ملايين جريح، نسبة كبيرة منهم في حالة اعاقة كاملة واربعة ملايين مشرد داخل العراق وخارجه، علاوة على ان العدد نفسه بقي في المنافي ولم يتحقق حلمه بالعودة. اما الطبقة الوسطى عماد المجتمع العراقي فقد اختفت بالكامل، وكذلك الخدمات الاساسية من تعليم وطبابة وماء وكهرباء، فهل يعقل ان العراق الذي يعد ثاني دول العالم من حيث الاحتياطات النفطية لا تزيد مدة امدادات الكهرباء فيه عن اربع ساعات يوميا وفي صيف ترتفع درجة الحرارة فيه الى خمسين درجة مئوية ؟
عند غزو العراق، كان هناك حصار، ورغم ذلك كانت هناك كهرباء وماء وجامعات، ودولة مركزية اقليمية مهابة من الجميع، لم تكن هناك طائفية، ولا تفتيت مذهبي وعرقي، ولا تنظيم 'القاعدة' ولا 'ابو درع' فهل تعترف البقية الباقية من 'دكاترة' العراق بهذه الحقائق علنا؟
نأمل ان نرى 'صحوة' حقيقية في اوساط العراقيين، عنوانها محاسبة كل الذين تورطوا في جرائم الحرب هذه، والعراقيون منهم خصوصا، امام محاكم دولية واذا تعذر ذلك فمحاكم عراقية عادلة، ولكننا نخشى من امر واحد وهو ان تحرمنا الحرب الزاحفة، وشبه المؤكدة من تحقيق هذه الامنية.
عبدالباري عطوان
18
أغسطس
2010
عندما يقول جون بولتون السفير الامريكي السابق في الامم المتحدة ان امام اسرائيل ثمانية ايام لتوجيه ضربة عسكرية لمحطة بوشهر النووية الايرانية، فانه يمارس تحريضا سافرا بالعدوان على دولة عضو في الامم المتحدة، دون مسوغات قانونية.
هذا التحريض غير مستغرب من بولتون الذي كان من ابرز صقور ادارة الرئيس جورج بوش الابن، ومجموعة المحافظين الجدد المعروفة بولائها الاعمى لاسرائيل، فقد كان من الاكثر شراسة بين اقرانه في الدعوة الى شن عدوان على العراق بحجة امتلاكه اسلحة دمار شامل وتهديده لاسرائيل وجيرانه العرب، وهي الحجة نفسها التي يرددها بولتون حاليا لتوجيه ضربة الى ايران.
تحديد ثمانية ايام كحد زمني اقصى لتدمير مفاعل بوشهر الايراني الواقع على الخليج يعود الى اعلان روسيا الاتحادية
تزويد هذا المفاعل بالوقود النووي اللازم لتشغيله في الثلث الاخير من الشهر الحالي التزاما باتفاقات موقعة مع الطرف الايراني، مما يجعل من ضرب هذا المفاعل بعد ذلك خطرا كبيرا.هذا التحريض غير مستغرب من بولتون الذي كان من ابرز صقور ادارة الرئيس جورج بوش الابن، ومجموعة المحافظين الجدد المعروفة بولائها الاعمى لاسرائيل، فقد كان من الاكثر شراسة بين اقرانه في الدعوة الى شن عدوان على العراق بحجة امتلاكه اسلحة دمار شامل وتهديده لاسرائيل وجيرانه العرب، وهي الحجة نفسها التي يرددها بولتون حاليا لتوجيه ضربة الى ايران.
تحديد ثمانية ايام كحد زمني اقصى لتدمير مفاعل بوشهر الايراني الواقع على الخليج يعود الى اعلان روسيا الاتحادية
مفاعل بوشهر يقع على الجهة الايرانية من الخليج العربي، ومقابل دولة الامارات العربية المتحدة على وجه الخصوص، واقدام طائرات اسرائيلية على قصفه وتدميره بعد تزويده بالوقود النووي سيؤدي الى حدوث تسرب اشعاعي يلوث مياه الخليج، الامر الذي سيؤدي الى حدوث كارثة بيئية وانسانية، خاصة اذا علمنا ان معظم دول الخليج، وبالذات الامارات وقطر والبحرين والكويت والمملكة العربية السعودية تعتمد كليا على معامل تحلية مياه الخليج للحصول على احتياجات مواطنيها والمقيمين فيها من المياه العذبة.
ولا نستطيع ان نجزم بالرد الاسرائيلي على هذا التحريض سلبا او ايجابا، ولكن احد المواقع الاخبارية الاسرائيلية المقرب من اجهزة الامن الاسرائيلية ويدعى 'دبكا' نشر تقريرا قبل بضعة ايام توقع فيه اقدام الطائرات الاسرائيلية على قصف مفاعل بوشهر هذا قبل نهاية الاسبوع الحالي للسبب نفسه الذي طرحه السفير الامريكي السابق.
اقدام اسرائيل على قصف مواقع ومنشآت نووية في دول تعتبرها معادية ليس مستبعدا ولا مستغربا في الوقت نفسه، فقد اقدمت الطائرات الاسرائيلية على تدمير مفاعل تموز العراقي (اوزراك) عام 1981، كما أغارت طائرات حربية اسرائيلية قبل ثلاثة اعوام على منشآت في منطقة 'الكبر' قرب ديرالزور السورية، ودمرتها لانها تعتبرها منشآت نووية اقامتها سورية بدعم من ايران وكوريا الشمالية.
الحكومة الايرانية قالت انها سترد بقوة على اي عدوان اسرائيلي على محطة بوشهر التي تعتبرها منشأة مدنية اقيمت من اجل توليد الطاقة الكهربائية، وتتماشى مع القوانين الدولية ومعايير وكالة الطاقة النووية الدولية.
ان اي هجوم اسرائيلي على محطة بوشهر قد ينجح في تدمير المحطة، ولكنه قد يكون عود الثقاب الذي سيشعل حربا اقليمية قد تؤدي الى تدمير المنطقة وآبارها النفطية، بما قد يتسبب بسقوط مئات الآلاف من الضحايا الابرياء في ايران ومنطقة الخليج، علاوة على حدوث ازمة اقتصادية عالمية كبرى نتيجة ارتفاع اسعار النفط لمعدلات قياسية.
هناك من يجادل بان ايران قد تمتص هذه الضربة الاسرائيلية لاظهار اسرائيل بمظهر الطرف المعتدي امام الرأي العام العالمي، ولكن هذا الاحتمال على وجاهته، قد يكون مستبعدا في ظل الاستعدادات الايرانية للحرب، ووجود قناعة لدى القيادة الايرانية بان تدمير هذه المحطة لو حدث سيكون مقدمة لغارات اخرى لتدمير مفاعلات ومنشآت نووية اكثر خطورة في نطنز وقم تحتوي على اجهزة تخصيب يورانيوم.
اسرائيل اذا اشعلت فتيل الحرب ستحرق اصابعها حتما، وقد تدفع ثمنا باهظا من امنها واستقرارها وارواح مستوطنيها، لان الرد على اي عدوان لها قد لا يكون ايرانيا فقط، فهناك حلفاء ايران السوريون الذين ربما ينجرفون الى هذه الحرب، ولكن المؤكد ان 'حزب الله' سيطلق كل ما في جعبته من صواريخ باتجاه تل ابيب وما بعد تل ابيب، لانه يعرف انها قد تكون آخر الحروب.
29
يوليو
2010
معظم الذين تناولوا بالكتابة والتحليل موضوع الـ 90 الف وثيقة التي نشرت في احد مواقع الانترنت حول التورط العسكري الامريكي في افغانستان، توقفوا عند بعض النقاط الأقل اهمية والمتعلقة بأرواح الجنود الامريكيين والعملاء الافغان المتعاملين معهم، وتجاهلوا النقاط الاهم وهي استحالة فوز الادارة الامريكية وحلفائها في هذه المقامرة العسكرية والسياسية الخاسرة حتما.
تسريب هذه الوثائق، وفي هذا التوقيت بالذات يكشف عن وجود شخصيات عسكرية امريكية نافذة تعارض هذه الحرب، والاستمرار فيها، لانها تعرف الوقائع على الارض جيدا، وحجم
الخسائر الامريكية، المادية منها والبشرية، ولهذا قررت ان تعلق الجرس، وتطلق صفارة الانذار.تسريب هذه الوثائق، وفي هذا التوقيت بالذات يكشف عن وجود شخصيات عسكرية امريكية نافذة تعارض هذه الحرب، والاستمرار فيها، لانها تعرف الوقائع على الارض جيدا، وحجم
فالمؤسسة العسكرية الامريكية بدأت تتمرد على قيادتها السياسية وقراراتها، ومن بينها الاستمرار في الحرب في افغانستان، وعبر عن هذا التوجه الجنرال ماكريستال
الذي اقاله الرئيس الامريكي باراك اوباما من منصبه بعد تهكمه في مقابلة مع مجلة 'رولنغ ستون' على جوزيف بايدن نائب الرئيس. واكمل المهمة الجنرال الحالي ديفيد بترايوس الذي قال في تصريحات اخرى، ان الممارسات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية باتت تهدد ارواح الجنود الامريكيين في افغانستان. والجنرال بترايوس هو الذي حل محل نظيره ماكريستال في قيادة القوات الامريكية في هذا البلد المضطرب.
حجم الضرر الذي لحق بادارة الرئيس باراك اوباما من جراء تسريب هذه الوثائق كبير جدا، خاصة اذا عرفنا ان هذه الادارة مستهدفة، وان الرئيس الامريكي جعل هذه الحرب محور سياسته الخارجية عندما وصفها بانها حرب الضرورة وليس حرب الاختيار، مثلما هي الحال في العراق.
ولعل النقطة التي تستحق الاهتمام في هذه الوثائق، الى جانب نقاط اخرى عديدة، هي تلك المتعلقة باقدام جهاز المخابرات الداخلي الباكستاني (S I S) على تدريب ودعم مجموعات من طالبان لمواجهة تسلل النفوذ الهندي الى افغانستان. فهذا يعني ان باكستان، او مؤسستها العسكرية على وجه الخصوص، لم تعد راضية، او مقتنعة بدعم السياسة الامريكية في هذا البلد الجار. فهذه المؤسسة، او جهاز مخابراتها العسكري، هو الذي اسس حركة طالبان ومدها بالأسلحة لقلب حكومة رباني الافغانية عندما بدأت تغازل الهند على حساب باكستان في اوائل التسعينات من القرن الماضي، ونجحت في النهاية في تحقيق هذا الهدف، وتمكين حركة طالبان من السيطرة على كابول في اوائل عام 1996.
امريكا تغرق في وحل افغانستان، والأزمات تطارد حكومتها الحالية، ويبدو ان نهاية وجودها في افغانستان باتت وشيكة، وربما تأتي مشابهة لنهاية نظيرتها في فيتنام، مع فارق اساسي وهو ان حكومة ريتشارد نيكسون كانت قوية اقتصاديا على عكس حكومة اوباما الحالية، مع تسليمنا بان القاسم المشترك في الحالتين هو معارضة الرأي العام الأمريكي للحرب في البلدين، ومن المؤكد ان معارضة الامريكيين للحرب في افغانستان الذين تزيد نسبتهم عن سبعين في المئة حاليا مرشحة للارتفاع بعد تسريب هذه الوثائق.
امريكا خسرت 400 مليار دولار واكثر من الف جندي في افغانستان، والرقم مرشح للزيادة اذا وضعنا في اعتبارنا انها خسرت مع قوات الناتو الاخرى حوالي مئة جندي في الشهر الماضي وحده. ومن غير المعتقد ان تستمر في تحمل هذا النزيف المالي والبشري لفترة طويلة. النهاية باتت وشيكة، والهزيمة مؤكدة على اية حال.
25
يوليو
2010
الحصار الإعلامي هو سياسة ينتهجها اخصائيون في الإعلام لكبت الحقائق، تبسيطها وتهميشها وجعلها حدثا عاديا.
هناك دراسات حديثة في مجال الإعلام في العالم الغربي تتناول أساليب تسليط الضوء على موضوع ما أو تهميشه؛ نأخد على سبيل مثال برمجة توقيت الأحداث التي تُبَثُ في الأخبار الرئيسية وكيفية التطرق إليها على مدى النشرة.
إذا كان المقصود تهميش الموضوع؛ تتجنب إدارة الأخبار إنزال صورة للحدث لأن الصورة في بعض الأحيان قد تكون معبرة ولا تحتاج للتعليق مكتفية بالإشارة لما حدث، أو يجري توقيت الحدث في الثلث الأخير من النشرة؛ بحيث تتراجع نسبة المتابعين للنشرة ويقل تركيز المشاهدين وتزيد نسبة التعب أو الإشباع من
الأخبار وبذلك تكون الغاية من هذه السياسة قد تحققت بالمعالجة الهادئة، أي تلك التي تسعى لعدم لفت النظر لسياسة إعلامية محددة تجاه قضية ما. وهذا ما نسميه بالحصار الاعلامي.هناك دراسات حديثة في مجال الإعلام في العالم الغربي تتناول أساليب تسليط الضوء على موضوع ما أو تهميشه؛ نأخد على سبيل مثال برمجة توقيت الأحداث التي تُبَثُ في الأخبار الرئيسية وكيفية التطرق إليها على مدى النشرة.
إذا كان المقصود تهميش الموضوع؛ تتجنب إدارة الأخبار إنزال صورة للحدث لأن الصورة في بعض الأحيان قد تكون معبرة ولا تحتاج للتعليق مكتفية بالإشارة لما حدث، أو يجري توقيت الحدث في الثلث الأخير من النشرة؛ بحيث تتراجع نسبة المتابعين للنشرة ويقل تركيز المشاهدين وتزيد نسبة التعب أو الإشباع من
يشكل هذا النوع من الحصار تعبيرا أكثر قوة من الحصار المادي أو المعلن، لأنه يغمض عيون المجتمعات عن الحقائق ويضع غشاوة على الضمائر لكي لا تستيقظ وتتحرك لتوقف ظلما ما في منطقة ما. ولو أخذنا مثالا تحليليا في الحصار الاعلامي المفروض حاليا على غزة يمكننا التوسع أكثر في توضيح آليات التعمية والتضليل الإعلاميين. وأعني الحصار في العالمين؛ الغربي والعربي؛ طرقه وخلفياته ومترتباته على الشعب الفلسطيني في غزة.
الإعلام الغربي
لكي نفهم كيف يحاصر الاعلام الغربي القضية الفلسطينية بصفة عامة والحصار المفروض على قطاع غزة لا بد من سرد بعض الأحداث التي وقعت في المنطقة وكيف تطرق لها الإعلام الغربي وبشكل خاص الفرنسي منه. من المعلوم أن الاعلام الغربي بصفة عامة والاعلام الفرنسي بصفة خاصة مسيس لا يتسم بما يسمى بالحيادية الاعلامية فيما يخص 'قضايا الشرق الأوسط'. فالقائمون على إدارته منحازون للسياسة الاسرائيلية ويعملون كل ما في وسعهم لتبرير أفعال وممارسات الحكومة الإسرائيلية ومسؤوليها. ولفرنسا تأثير إعلامي كبير على أوروبا. وأسلوب تسليطها الضوء على قضية يؤثر بوضوح على ألمانيا وسويسرا وبلجيكا وباقي الدول الأوروبية في قوة التغطية وضعفها وأسلوب التناول.
لكن الإعلام الفرنسي يعلم أن مجتمعه يتمتع بمستوى ثقافي متقدم يتطلب من مختصيه رفع مستوى توصيل الحدث لذا لا نستغرب الإستعانة بمختصين في علم الإجتماع من مؤيدي إسرائيل. على سبيل المثال، في إطار تغطية الحرب على غزة وجد دينس سيفير أن التغطية الاعلامية لم تتسم بالتوازن بين الطرفين المعنيين ووجد ان تعبير بعض الصحافيين الفرنسيين عنيف عند وصفهم للحرب على غزة وبأن رد اسرائيل على استفزازات حماس أو أكثر من ذلك دفاع اسرائيل عن نفسها.
في تلك الفترة لم يتوان بعض الصحافيين ذوي الأسماء المعروفة في الدفاع عن اسرائيل كالصحافي افان لفاي Ivan Leva' الذي لم يتوان عن استعمال تعبير مثل 'الصبر الإسرائيلي قد نفد'. لا شك بأن هذا التوجيه الإعلامي يؤثر في كل من لا يعرف واقع الأمور ويجهل سياسة اسرائيل الطاغية والجبروتية ويشكل معرفته في كل ما يخص الصراع العربي الإسرائيلي من وسائل الإعلام الغربية.
من المجحف عدم توجيه الأنظار إلى جهود بعض الصحافيين والمثقفين المناهضين لصهينة الإعلام الغربي. فرغم قلتها، تستطيع في بعض الأحيان لفت الأنظار، على سبيل المثال موقع الانترنت الذي قام بمقارنة عدد التحقيقات المخصصة لكل من غزة وإسرائيل من 27 كانون الاول/ديسمبر إلى 5 كانون الثاني/يناير 2009 القنوات الأولى، الثانية والثالثة الفرنسية خصصت 6 ربورتاجات للمدنيين الإسرائيليين مقابل 2 للمدنيين الفلسطنيين.
Acrimed أحصى بدوره للقناة الثانية الفرنسية عشرة تحقيقات لصالح اسرائيل مقابل اثنين لغزة. ناهيك عن تغطية سفن كسر الحصار، فالسفينة الليبية لم تحظ إلا ببعض دقائق من طرف القناة الأولى الفرنسية مع تعليق يطفو عليه الطابع القانوني منه الإنساني. بما أن 'الحصار على غزة مستمر بتوافق دولي فإن إسرائيل كانت في وضعية قانونية لمنع السفينة من التقدم'. لم يحس المواطن العادي بأن التعنت الإسرائيلي يعتبر كعملية قرصنة في حق الواجب الانساني الذي قامت به السفينة الليبية.
نستخلص إذن أن الاعلام الغربي ليس حرا كما يعتقد البعض، فهو إعلام محاصر ببعض الإيديولوجيات التي ترضخه لسياساتها.
إن الإحتكار المتصاعد لوسائل الإعلام التقليدية صار يهدد حرية التعبير وموضوعية العمل الصحافي ومهنيته، ويأتي بصيص الأمل من الانترنت والمواقع ذات الطابع الاجتماعي. مواقع تعطي للمثقف العربي القاطن بأوروبا وصاحب الضمير الحي فرصة التواصل مع مجتمعه ومع وقائع خارج السيطرة التقليدية. وقد شكل انتقال الشبكة العنكبوتية إلى قوة إعلامية وسيلة ضغط على الإعلام التقليدي باعتباره يتصدى لمهمة التوعية الإعلامية، وقد صارت الصحف الفرنسية تعطي مصداقية ومكانا لما يبث على الشبكات الالكترونية، مما اضطر بعض القنوات الفرنسية للخروج عن صمتها في بعض المواضيع التي كانت بأمس ليس بعيد موضوع تعمية وتكتم. ومن الضروري لتعزيز هذا الإختراق تجاوز إشكالية اللغة والترجمة، فأهم ما يرد ويتم تداوله من معلومات هامة غير معروفة غربيا يتم باللغة العربية. لذا وكمختصة في هذا المجال، أرى من الضرورة ترجمة ودبلجة ما أمكن من المعلومات لتعريف الرأي العام الغربي أكثر بالمأساة الغزاوية والقضية الفلسطينية.
الاعلام العربي
لا يمكننا اعطاء تحليل معمق للاعلام العربي في هذه العجالة، فهو موضوع قائم في ذاته ويحتاج لتحليل مسهب. ولكي يكون الإعلام محركا للتوعية المجتمعية، لا بد أن يوحي بذلك. إلا أن الاعلام العربي ليس في المستوى الكافي من النضوج الثقافي والمهني حتى اليوم، مع احترام جهود بعض المنابر الإعلامية في هذا المجال. فما عدا قناة الجزيرة وبعض الصحف الملتزمة، ثمة إعلام دون مستوى النقد ودون مستوى التحليل. لن أتطرق لتحليل الصحف الوطنية أو الخليجية وما جاء فيها عن غزة، سأقوم بذلك في مناسبة أخرى، ولكن من المحزن القول ان الإعلام العربي في معظم منابره في حالة سبات، وهو لا يغطي مأساة الحصار والأوضاع المزرية في غزة حتى بدا اسم هذه المدينة غريبا ولا يذكر البتة في بعض البلدان العربية. في زيارة قمت بها مؤخرا لواحد من هذه البلدان، فوجئت بالهوة بين ما نقوم به في أوروبا لمكافحة التطبيع والتوعية لعدم شراء المنتوجات الإسرائيلية في وقت كانوا مشغولين بتدشين مطاعم الماكدونالد التي افتتحت عندهم مؤخرا. وهمهم الحالي حفظ المصطلحات المتعلقة بالوجبات الأمريكية السريعة، فزعي زاد أكثر حين تجرأت وبدأت أتحدث عن المشاكل التي يعاني منها أبناء قطاع غزة جراء الحصار المفروض عليهم. فبدا لي وكأنني أتيتهم من كوكب آخر ومن عالم ليس عالمهم.
لكن رغم فزعي من جهل هذا المجتمع بقضاياه لم يكن بقدر فزعي ببشاعة إعلامه الذي شارك في انحدار الوعي إلى هذه الدرجة من الجهل. إعلام نائم أو متآمر عليه مع سلطته التي تكن كل المودة لإسرائيل.
لا شك بأن مهمتنا في أوروبا ليست سهلة من أجل مبادرات متنوعة وخلاقة لكسر احتكار اللوبي الموالي للإسرائيلي لوسائل الإعلام الكبرى، إلا أن المهمة تبدو أحيانا أصعب في غياب الحد الأدنى من الحريات الأساسية والإعلامية وتواطؤ السلطات الرسمية كما هو الحال في العديد من الدول العربية.
خديجة البشيخي