9
مايو
2010

حسن لمريس – نبراس الشباب:

الآن أدركت أنني وقعت في فخك يا سيدي الأصلع..وأعطيتك في ذهني مقاما أكثر مما تستحق…وأخذت من جيبي أكثر مما أعطيتني ولأن العطاء شرف والأخذ ألم، أعترف لك بأنك كنت يوما ما منقذنا الوحيد أو على الأرجح أشبه بذلك..ولكني الآن بتنا نعرف أن الوردة التي يشمها الكثيرون تفقد عبيرها وصورتها ولا تستطيع المقاومة أمام الأيادي الكثيرة التي تتبادلها..ومن يفتح إناء العسل ويتركه سيسقط فيه الذباب من دون شك..ومن يعرض لعبته أمام الآخرين مثلك سيتعرض لفقدانها.

رغم كثرة كلامك، وثرثرتك، وكتاباتك، فأنت عاجز عن قول شيء أو فعل شيء، لأن العصفور التي يغرد كثيرا يجهل في الأخير كيف يصنع عشه..ولأنك كنت عاجزا عن ضرب الحصان فقد اكتفيت بضرب السرج، ما أنت إلا هر فرت من أمامه الفئران فتوهم نفسه أسدا..وثق بي سيدي الأصلع أنه كلما كثر ثغاء نعجة قل صوفها..وحتى لو اجتمع حولك الكثير من المعجبين فذلك لأن الغربان لا تجتمع إلا على الجيفة..ومهما أخفى الحمار ذنبه فستفضحه أذناه، نعم نعلم أننا خسرنا المال من أجلك ولكن خسارة المال تعد خفيفة بالنسبة إلى خسارة الأدب والخلق، وربما قلت عنا مرارا وتكرارا أننا من يحكم في الأخير على حياتك بينما غيرنا ممن يعرفك جيدا لا يصدقك ويضحك علينا عندما نقرأ لك كل صباح وما ذاك إلا لأن رؤوس المجانين لا يعتريها الشيب..

أعلم أن الأصدقاء والزملاء والقراء يغضون طرفهم عن أخطائك بسبب شهرتك الواسعة أو خشية أن يسخر منهم أعداؤك الأولون والأبديون الذين دافعنا عنك ضدهم، في جميع الميادين وحتى أنت نفسك لا تبصر أخطائك ..لأن من يزرع البصل مثلك لا يشم رائحته الكريهة..ولأن العين التي اعتادت الغبار سوف تعتاد على الرمال..ومهما ارتفعت على الآخرين وتطاولت عليهم بغرورك فما ذاك إلا لأن السنابل الفارغة تشمخ برأسها عاليا..الكيس الفارغ مثلك لا يقف بسهولة، صحيح، ربما أدمنت الانتهازية لأن الثمرة المسروقة هي الألذ دوما..وربما حققت رغباتك في الحياة على ظهر هؤلاء القراء من أبناء الشعب..ولكن كوني على يقين أن آلامك ستتضاعف..وربما ظننت يوما ما نفسك منقذا لهذا الشعب..ولكن حتى إبليس ظن نفسه في البداية ملاكا…ربما ظننت نفسك لوهلة عملاقا..ولكن لا تنسي أن قزما واقفا أفضل ألف مرة من عملاق راكع مثلك..واعلم أن الأعمى مثلك حين يتكئ على جدار يظن أن هذا الجدار هو نهاية حدود العالم، ربما سمعت يوما ما عن الحمار الذي ظن نفسه عالما لأنهم حملوه كتبا,لقد تعودنا أن نحمل الأسى والحزن وحيدين في هذا الوطن القاسي..ونشارك الآخرين في أفراحهم.. لو كان الشعر الطويل دليل ذكاء لكانت العنزة فيلسوفا..وربما افتخرت يوما بالصلع الموجود برأسك..ولكن تأكد أن لمعان الرخام لا يقلل من صلابته..وتأكد أن النعجة مثلك لو لم تخلق من أجل صوفها لخلقت من أجل جسدها..

أعترف لك بكل أسف أنني قد أخطأت..نعم..أخطأت حين ظننتك شاعرا تتقن  إلقاء القصائد النضالية ولكن كما تعلم سيدي الأصلع أن الحقيقة لابد أن تظهر يوما ولابد لليل أن ينجلي والقيد أن ينكسر وأعلم أن أخطاء القراء أمثالي تعزية للمغفلين من أمثالك..والشاعر يولد ولا يصنع..وليس باستطاعة المرء أن يستخرج الماء من حجر مثلك..وربما عرفتك ذات يوم حين كنت تتشاجر مع الحروف، فتعجز عن كتابة جملة صحيحة..وربما لم تكن أن الصانع الغبي هو الذي يتشاجر مع أدواته..نعم أخطأت ومن لا يخطئ فهو لا يفعل شيئا…نعم ..غيرت رأيي فيك..وليس عيبا أن أفعل..لأن الأغبياء والأموات هم الذين لا يغيرون آراءهم..وربما أنت الآن تضحك..وليس غريبا عنك ذلك..لأن المجنون يضحك حتى وهو يغرق..وكل حمار يعتقد في قرارة نفسه أنه يضاهي أحصنة الملك..ولم تعد تطربني حكاياتك التي تنسجها من داخل مكتبك ويصفق لها القراء لأنها بلا مغزى..كجوزة فارغة لا تستحق حتى مجرد الكسر,وفي الأخير بقي لي أن أقول لك أن الجميع بدأ يكتشف الحقيقة المرة التي لن يستسيغها بسهولة، ولا أظنهم سيرحمونك في أفضل الأحوال.

7
مايو
2010

إلياس الميموني – نبراس الشباب:

لقد بات من الطبيعي جدا عمد الحكومة المغربية في السنوات الثلاث الأخيرة إلى إضافة ساعة إلى التوقيت المغربي المطابق للتوقيت العالمي غرينتش، وذلك مع اقتراب فصل الصيف، لحاجة في نفس حكومة عباس، لم ولن تقضى بسهولة بسبب عائق اسمه المواطن المغربي.

وإن قلنا إن المواطن المغربي عائق أمام نجاح خطة وزارة تحديث القطاعات العامة، صاحبة مشروع الساعة الإضافية، في تخفيض استهلاك الطاقة بمعدل 150 ميغا واط  خلال الفترة المنحصرة ما بين 2 ماي و8 غشت 2010 عن طريق إضافة ساعة إلى التوقيت المغربي، فلا يعني ذلك أن جميع المواطنين المغاربة لم يتكيفوا مع يوم مغربي أصبح يسدل ستاره بين عشية وضحاها قبل موعده بساعة من الزمن، وإنما يعني ذلك أن هناك فئة عريضة منهم لم يتقبلوا ذلك، وربما عدم تقبلهم ذاك، سيستمر إلى حين، رغم أن لعبة الساعة المتحركة أطفأت شمعتها الثالثة في مغرب عباس الفاسي.

ولعل من بين مظاهر عدم انسجام بعض من المواطنين المغاربة مع التوقيت المغربي عبيبس، امتناع بعض القائمين على المساجد عن ضبط ساعات هذه الأخيرة على هذا التوقيت المتربع على صيف المغرب للمرة الثالثة بالتتابع، متحججين في ذلك بأن لا تغيير في مواقيت أذان الصلوات مهما كان الأمر. وهنا يتبادر إلى ذهننا سؤال نطرحه على هؤلاء، إن كنتم في أستراليا هل ستأدون صلاة الظهر وفقا لتوقيت صلاة الظهر بالمغرب؟.

بينما يتجلى مظهر آخر من مظاهر غياب تكيف المغاربة مع توقيت عبيبس  في حوارات تكاد تسمعها حيثما تقف بك رجلاك، فلا حديث الآن إلا عن توقيت عبيبس، بين مؤيد له ظنا بفوائده ظنا خطأ، وبين مقسم بغلاظ الأيمان أن لا يعتد به، إذ إن فئة المؤيدين لهذا التوقيت وسوادها الأعظم من العمال تحسب بأرقام خاطئة أنها ستشتغل ساعة أقل مما كانت تشتغل في عهد توقيت غرينتش، فيما الفئة المعارضة، الضامة في صفوفها ثلاثة أحزاب هي بعض أئمة المساجد، وبعض الخارجين عن التغطية في هذا الوطن – وما أكثرهم – و بعض من غير المحسوبين على الدولة من جانب الوظيفة العمومية.

أما الحزب الأول من كتلة المعارضة فإنه يكره توقيت عبيبس كونه وفق نظرهم إلا فتنة من مفاتن الإنسان، بينما الحزب الثاني لم يعر أي اهتمام بهذا الموضوع، هذا في حالة علمهم بخبر اعتماد المغرب توقيت عبيبس توقيتا رسميا للمغرب، ابتداء من الثاني من شهر ماي 2010، في حين أن الحزب الثالث لا يريد تحمل عناء تغيير عقارب ساعته لأنه يشتغل خارج أسوار الوظيفة العمومية، وبما أنه لا يتلقى راتبا شهريا من حكومة عباس الفاسي، فما الداعي إلى اعتماده توقيت عبيبس؟

إلى جانب ذلك، سقط العديد من المواطنين ضحية توقيت عبيبس لمرات، فكم من تلميذ أو تلميذة تأخرا عن مدرستهما، وكم من موظف أو موظفة تأخرا عن موعد عملهما، و تصور كم شخصا وجد نفسه وحيدا في عتمة الليل بعدما تأخر – سيرا في غفلة من أمره في منوال التوقيت القديم – ساعة كاملة عن موعد آخر حافلة تقله إلى حيه.

غير أن أبعد ما لا يمكن أن تتصوره هو أن ترى أشخاصا وقد طوقت ساعة يدوية إضافية يدهم الأخرى انصياعا منهم بطريقة مضحكة لأوامر حكومة عباس، فقد لا يصدق الجميع ما قلناه للتو، ولهم الحق في ذلك لأن كلامنا ذاك، لا يعدو أن يكون سوى نكتة تتداولها ألسن المغاربة سخرية من بعض الذين بلغ بهم فهمهم السطحي للأمور إلى ذلك المستوى من البلاهة أو أكثر منه.

ختاما، الساعة تشير إلى الثانية صباحا وسبع دقائق حسب توقيت… لا أعرف أهو توقيت غرينتش أم هو توقيت عبيبس، لا تضنوا علينا وساعدونا في الإجابة عن هذا السؤال الصعب…

6
مايو
2010

عبدالكريم القمش- نبراس الشباب:

فجأة صارت الزاهية أكثر شهرة و أهمية من ‘نيكولا ساركوزي’ و ‘بوتفليقة’ و ‘عباس الأول’ بعد أن تورط ثلاثي البحر الأبيض المتوسط ‘المغرب- الجزائر- و فرنسا’ في جذائل هذه الفضائح المثيرة.. و إن شئتم رأيي فالجميع على حق ، ذلك أن النظر إلى أي من الشخصيات الثلاث المذكورة لا يمكن أن يكون إلا باعثا على الملل مقارنة بتلك الصور ‘الممتعة’ التي تصدرت الجرائد الصادرة بالبلدان الثلاث خلال الأيام القليلة الماضية…

بالنسبة لي، فالتداول حول هذه القضية يعتريه نفاق “إنساني كبير’ ذلك أن ‘ريبيري’ أو ‘غوفو’ أو ‘بنزيمة’ هم مجرد رجال آخرين يجري ‘التستوسترون’ ( هرمون الذكورة) في عروقهم على غرار الباقين، و لا بد أنهم في لحظة من اللحظات كانوا هم أيضا عرضة لنزوة عابرة تسبب فيها صدر الزاهية النافر و قوامها المثير و وجهها الشبقي الفتّان.. و لي اليقين التام بأن الكثير من المنافحين عن الأخلاق، و الشامتين الشاتمين في سلسبيل المرأة المتغنجة لن يترددوا لحظة واحدة في القيام بنفس ما قام به هؤلاء الرجال الثلاثة شريطة أن يتم ذلك في السر طبعا…

هذا الموضوع يحيلنا على قضية ‘العلاقة المرضية الغريبة’ التي تربط العرب عموما بموضوع الجنس و المرأة، ففي الوقت الذي يضع فيه الجميع أقنعة الأخلاق الحسنة فإن الكثيرين لن يترددوا في الارتماء وسط ثنايا أحضان الرذيلة و الفساد السريري، بعيدا عن أنظار المجتمع المراقب المترصد.. و لعل الكثير من الرجال الذين يمارسون التقية أكثر من ممارستهم للجنس الحرام قد اشتهوا بالفعل و تمنوا لو كانوا مكان واحد من الديكة الفرنسيين الأربعة، و لعل العديد منهم تمنوا لو تتكرم عليهم ‘المناضلة الجزائرية’ بجلسة واحدة ينالون فيها نصيبهم من هذه القنبلة البشرية المثيرة…

أما في المغرب فقد فرح الكثيرون لما علموا على لسان “الزاهية” أنها جزائرية و ليست مغربية كما صرحت ل “باري ماتش” الفرنسية الأسبوع الماضي، و هذا أمر طبيعي فالمغاربة، و العرب عموما، لا يجبون أن يكون بلدهم  “مفعولا به” و الكثيرون تمنوا لو كان أبطال الفضيحة من لاعبي المنتحب المغربي أو أحد المنتخبات العربية الفحلة على الأقل من أجل التعويض عن الفشل الرياضي الذريع الذي نلاقيه في المحافل الرياضية الدولية…أما الجميل في الأمر أن الكثير من المطلعين على الصراع السياسي بين المغرب و الجزائر اعتبروا القضية انتصارا سياسيا للمغرب، و عبر الكثيرون على موقع ‘هسبرس’ مثلا عن شماتتهم في ‘الدولة الجزائرية’ لأنها تضع بعض بناتها رهن إشارة الفحولة الفرنسية الغابرة..

وكنتيجة للتأثير الكبير الذي مارسته الزاهية و جسدها الطري على العقول و القلوب والأقلام، فقد بدأت شركات البورنو في فرنسا و معها بعض المغنيين و منتجي البرامج الترفيهية يتهافتون من أجل استقطاب الفتاة الشابة للترويج لمنتجاتهم خصوصا أن تواجد ملكة الإغراء الجديدة على خشبة أي برنامج سيشكل ضمانة كبرى لأكبر عدد من المشاهدين و “المسخسخين’.. و أنا على يقين من أن بعض ‘كازانوفات’ الخليج يبحثون منذ الآن عن طريقة لعرض بضع آبار نفطية على ‘الزاهية’ لعلها تتكرم  بإكمال خيرها و المساهمة في إثبات الفحولة العربية الخالدة على سرير الواقع بنفس الدرجة التي ذاع بها صيت فحولة ديكة فرنسا..و أنا واحد من الذين يؤيدون الاستعانة بالزاهية في المجال الديبلوماسي أو تعيينها سفيرة للنوايا العربية السيئة لدى الجامعة العربية، بل أقترح أن يتم تعويض ‘عمرو موسى’ في ماي من السنة القادمة على رأس الجامعة العربية بعد أن أكد موسى عدم رغبته في الترشح لولاية جديدة، خصوصا أننا لن نجد أفضل منها للدفاع عن القضايا العربية في المحافل الدولية و إبعاد شبهة التطرف و الإرهاب عن العرب المساكين..

بالنهاية أقول أني لا أتفق مع كل المؤاخذات الأخلاقية و القضائية التي تم إصدارها في حق الزاهية و من معها لأن ذلك يدخل في إطار الحياة الخاصة لهؤلاء ولا يحق لأحد في نظري أن يلعب ‘العشرة و الشرويطة’ الأخلاقية لأن بيوت البشر كلها من زجاج، و لا حاجة إطلاقا لإعمال المبدأ الحربي الشهير القائل “اللي حصل يودي” لمجرد أن الحصلة كانت “دزايرية فرنسية” هذه المرة.. و الله أعلم..

29
أبريل
2010

إلياس الميموني نبراس الشباب:

قد يظن المرء أن المنحرفين لا مكان في قلوبهم للون الأبيض، نظرا لانزياحهم عن الجادة وارتمائهم تارة في أحضان الإدمان ما بين سيجارة، وجوان، وسربيسة، وقحلة وغيرها من مبيدات حيوية الشباب ونشاطهم في زماننا هذا، و ارتمائهم تارة أخرى في صدر الإجرام ما بين سرقة أو نصب أو غيرهما، لكن ما إن تجلس مع هذه الفئة وتتبادل معها أطراف الحديث تسقط آخر حصون ظنك الهشة، لتخلص إلى أن ثمة قطعا من البياض تغلف قلوب هذه الفئة التي لم تجد من يمسك بيدها وينتشلها من براثن الانحراف…

سيد “سين” نموذج حي لأحد الشباب المنحرفين، هو في أواسط العقد الثاني من عمره، نحيل القامة رغم أنه يأكل حتى من دون ما يجوع، يدخن السجائر، والجوان، وكذلك السبسي بنهم، ويتعاطى أيضا بعض الحبوب المهلوسة، إلى جانب معاقرته الخمر، لايخجل من أنه مدمن على الخمر وعلى مختلف أنواع السجائر، وعلى الحبوب المهلوسة، غير أنه يعي جيدا أنه يخطو في الطريق غير الصحيح.

سيد سين هذا، لاينفك يتحدث عن كرة القدم، فهو من عشاق نادي ريال مدريد، كما أنه لا يمكن أن يقضي سحابة يومه من غير السخرية من نحافة جسمه من جهة، ومن جهة ثانية من هشاشة المغرب نفسه، خصوصا مسؤوليه ابتداء من المقدم، مرورا بخطيب صلاة الجمعة بمسجد الحي وصولا إلى الوزير الأول…

“سين” يتمنى من أعماق قلبه في لحظة تمن خالصة، لو كان وزيرا أولا، يقول إنه إن أصبح وزيرا أولا سيغير جميع الوزراء، ويعين مكانهم وزراء آخرين، متعهدا أنه سيحارب المفسدين حتى إن استدعى الأمر موته هو، ضاربا مثل استبساله بأرنستو تشي غيفارا، على الرغم من أنه لا يعرف جيفارا جيدا، وقد لا يكون سمع عنه إلا من أحد الأشخاص أو ربما قد لا يكون رآه إلا على شاشة تلفاز أو على قميص من تلك الأقمصة العديدة التي تحمل صورة ابن مدينة روساريو الأرجنتينية… لكن ما يشدك إلى الإصغاء إلى كلام سيد سين هو إيمانه القاطع بمبدأ الإصلاح.

أما سيد جيم الملقب بلقب “عمي”، يصل الحي مع غروب الشمس بعد يوم شاق من الجولان واضعا على كتفه حقيبة أسراره وبعضا من أنفس أمتعته، يدخل الحي ثملا، وقد انبعثت منه رائحة الخمر، يدخل الحي بقامته القصيرة وقد برزت من ظهره حدبة، وقد غطت شعر رأسه المجعد، قبعة يبدو أنها لا تحتمل الافتراق عن رأسه منذ بداية العام، وقد غطت أيضا كومة من الملابس مزركشة الألوان جسمه الصغير، وذلك احتماء منه من نسيم الليل البارد، مادام أنه لا يملك من هذه الدنيا سوى كوخ صغير تضيء أرجاءه الضيقة الشموع.

سيد جيم يجيد التواصل مع مختلف ساكنة الحي صغارا، شبابا، كهولا، شيوخا، إذ إنه يحيي كل من صادف وجهه وجهه، يتحدث عن القناعة، و عن القلب الأبيض، و يعرج مرات عديدة على الحديث عن السياسة من دون أن يفارق عود السبسي يده، جيم متأثر أيما تأثر بجيفارا، يعرف عمر البشير، وتشافيز، وأوباما وغيرهم من أبرز القادة العالم،كما أنه يحب الاستفراد بالحديث، ويكره أشد الكره من يعارضه في أي أمر كان.

يتحدث عن نفسه حديثا يشبه قصص الفرسان، يتحدث عن علاقاته الجيدة ببعض رجال الأمن، وعن احترام بعض منهم له، إلى جانب سرده قصص نزالاته الخيالية مع خصومه الذين يسقطون أمامه مثنى، وثلاث، ورباع، فما بالك إن كانوا فرادى، بالإضافة إلى تكلمه بكبرياء و اعتزاز عن سقوط المعجبات في حبه، هو الذي يظن نفسه وسيما، بما أنه استطاع التعرف في يوم واحد على ثلاث فتيات قد تستطيع بيسر قياس جمالهن إن وجد طريقا إليهن، انطلاقا من هيئته هو، ولعل ما يزيد من مصداقية كلامه ربما زيه وحذاؤه العسكريان، بيد أن مصداقية حديثه تنقص إلى أن تسقط تماما، بعدما تمعن النظر في جسمه الضعيف الذي لا يرتفع عن الأرض إلا قليلا، وبعد أن توقن حتما عندما تراه، أن هبة ريح كفيلة بطيرانه إلى سبع سماوات، إلا أن أجمل ما يمكن أن تسمعه من سيد جيم، هو إيمانه بأن الله هو موزع الأرزاق، وأن الرجال ليسوا رجالا بالأموال، وإنما بما يصنعونه من الأعمال…

هكذا هي يوميات سين وجيم وغيرهما، لا ينقضي يوم منها، إلا وتنكشف معه بقع مضيئة من قلوبهم، ليبقى السؤال المطروح إلى متى يستمر غض الطرف عن احتضان المنحرفين ومحاولة إدماجهم في المجتمع؟، لأن فيهم طاقات لم تنفجر، وانفجارها لايكون إلا بالاهتمام والرعاية.

15
أبريل
2010

إبراهيم كرو – نبراس الشباب:

بالزنقة 31 رقم 3 بسيدي مومن القديم قرب حي الدوما بالدارالبيضاء، تسكن سيدة اسمها “عفو تمسنا” وحيدة في بيت لم يبقى منه سوى ذكريات عاشتها رفقة عائلتها، هذه السيدة مزدادة بتاريخ 01/01/1947 والحاملة للبطاقة الوطنية رقم B60435، والمتزوجة من السيد منذر العسلي الفلسطيني الهوية الذي كان يقيم ولسنوات طوال معها بالمغرب، وكان يشغل مدير مؤسسة تربوية لأزيد من ثلاثين سنة، بعد أن كان مدرسا بمدينة مكناس، وقد أنجب منها خمسة أطفال والذي أصيب بأزمة نفسية مباشرة بعد مقتل شقيقه على يد الجنود الصهاينة في فلسطين، مما اضطر للسفر إلى الأراضي المحتلة سنة 1990 رفقة أبناءه.

هذه العائلة وحسب إجماع شهادة الذين عرفوها كانت عائلة طيبة ومثقفة وكان زوجها يساعد الناس في التعلم، ويراعي ظروفهم بل كان يساعد أبناء اليتامى في التحصيل مجانا، لقد قمت رفقة مكتب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالبرنوصي بزيارة خاصة لهذه السيدة بتاريخ 08 أبريل2010،وقد وجدناها وحيدة وفي حالة نفسية صعبة بسبب الوحدة والشوق إلى رؤية أطفالها كما أنها مهددة بالإفراغ يوم 28 أبريل 2010، من المنزل الذي تقطنه بسبب دعوى قضائية رفعها أحد الأشخاص بالرغم من توفرها على كل الوثائق التي تنبث ملكيتها للمنزل الذي عمرته لسنوات رفقة زوجها وأطفالها، ولأنها تعاني أزمة مالية صعبة لا تستطيع معها توكيل محام يستطيع إتمام إجراءات الاستئناف، فإنها اليوم معرضة للتشرد بل حياتها أصبحت شبه مستحيلة، وأصبحت تتعرض للتخويف من طرف مجهولين، بل حكت لي أنه في أحد الأيام مؤخرا تم رميها بحجرة كادت أن تصيبها والهدف من ذلك هو إفراغها رغما عنها.

هذه السيدة ابنة مقاوم وأحد أعضاء جيش التحرير الذين كان مع أبطال المقاومة آنذاك، موحا أوحمو وغيرهم ويدعى “عبد السلام عسو تمسنا” الذي ينتمي إلى منطقة ايداس وقد قاوم بمنطقة والماس واليوم هذه السيدة تعيش عزلة وحيدة لم يتبقى ببيتها سوى صور تذكرها بزمن ولى، صور لعائلتها وأخرى لمدينة القدس …، من العيب والعار أن يتم تهديدها بالإفراغ رغم أنها اشترت هذا البيت في سنة 1975 ولها وثائق تثبث ذلك ولأنها لا تتوفر على مال تستطيع به استئناف الحكم عبر المحام، فإن الحكم صدر بالإفراغ وهي الآن في طريق الضياع، داخل هذه السيدة حكاية حزينة وحلم قد لا يتحقق وقد يتحقق، أنا لم استطع صياغة معاناتها وحاولت التركيز على النقاط المهمة.

9
أبريل
2010

مدني رشيد نبراس الشباب:

تتناثر الأماني وتتناسل الأحلام، وتبقى سماء المستقبل غائمة. في ربيع الخيال، تزهر حديقة المتمنيات وتبهر بجمالها، قبل أن يأتي عليها صيف الواقع بحره فتذبل تاركة ورائها أكواما من قش الأحزان، تنتظر رياح تغيير كي تحملها بعيدا.

ويحل الخريف بتعاسته وذبوله، فتسقط أوراق الأمل التي نضجت قبل آوانها وتآكلت في أغصان الصبر والإنتظار. وبدورة فصول الزمن، يأتي شتاء الأحلام مرة أخرى، وبغزارة المتمنيات وخصوبة الخيال، يعود موسم زرع الأمل في النفس القاحلة، وتعيد كذبة الزمن المضحكة المبكية نفسها.

تتوالى الأيام والشهور، وتتوارى السنين والأعوام، وتجف ينابيع وأنهار الأحلام، وتنفذ بذور الأمل، وتندر أمطار التمني، يصبح معها الخيال صحراء جرذاء قاحلة، يكسوها سدر اليأس، وتوندرا التعاسة، فهل من واحة؟.

حين يتيه الإنسان، وتتقاذفه أمواج الحياة، ويفقد البوصلة والمجاديف، فما السبيل إلى بر الأمان؟.

عاصفة تتلو العواصف، مركب مهترئ ثقبته الظروف ولعنة الزمن، صفعات الأمواج تتقاذفه، ومجاذيف فقدت في لحظة تيه وعدم اكتراث. اشتدت الرياح، وتكدست الغيوم في الأفق المفقود، وبعثرت الأوراق والمخطوطات، واختفت بوصلة الإتجاهات، فحار الربان, وتقاعس الأعوان، وها قد آن الأوان، وكما قيل، فليس إلا الصبر والسلوان!

تعالى الصياح والهتاف وعمت الفوضى وتشتت الأفكار وتبددت الطموحات، فاختفت مع اختفاء أحلام الطفولة الوردية. تلون الأفق بالسواد، وازدادت حلكة الظلام دكنة، وفقد الإتجاه وسط الأمواج العاتية التي كشرت عن أنيابها، ودست مخالبها في الشراع الممزق أصلا، والمتآكلة أطرافه بأشعة شمس الحياة الحارقة، ولم يصمد أمام زئيرالعاصفة وقوة الرياح.

تجربة محفوفة بجميع أنواع مخاطر الفشل، والأحزان، والآلام، مجبرون على خوض غمارها دون تحسب لمصيرها. ومع هامش النجاح، والوميض الذي يلوح في الأفق بين الفينة والأخرى، نستجمع الأنفاس كلما خارت قوانا، وتكسرت آمالنا، ونستمر في السير، تاركين ورائنا أكواما من دخان الأحزان تنفثه قلوبنا، وتستمر الرحلة وتستمر معاناتنا…